السيد كمال الحيدري

269

في ظلال العقيده والاخلاق

والجواب أنّ مورد آية سورة الزمر مشروط بعود الإنسان إلى نفسه بعد ارتكاب الذنب ، والتوجّه إلى مسيره نحو الباري عزّ وجلّ والإنابة إليه ، والاستسلام لأوامره ، وبدون ذلك فلا مجال لغفران الذنوب جميعاً ، والشاهد على ذلك ما ورد في الآية اللاحقة حيث قال سبحانه : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ حيث إنّ قوله : وَأَنِيبُوا معطوفة على قوله : لَا تَقْنَطُوا والإنابة إلى الله هي الرجوع إليه وهو التوبة ؛ بخلاف مورد سورة النساء حيث استثنت - الآية - المشركين من هذا العفو والرحمة ، فإنّها تقصد المشركين الذين ماتوا على شركهم ، وليس أُولئك الذين صحوا من غفلتهم واتّبعوا سبيل الله ، لأنّ أكثر مسلمى صدر الإسلام كانوا كذلك ، أي أنّهم تركوا عبادة الأصنام والشرك بالله وآمنوا بالله الواحد القهّار بعد دخولهم الإسلام . وبكلمة واضحة : إنّ قوله تعالى : يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنّما هو في هذه النشأة الدنيوية ، حيث يغفر مع التوبة جميع الذنوب حتّى الشرك والكفر ، بخلاف آية سورة النساء التي استثنت المشرك ، فإنّها تختصّ بالنشأة الأخروية ، حيث إنّه تعالى لا يغفر الشرك من كافر ولا مشرك ، ويغفر سائر الذنوب دون الشرك بشفاعة شافع من عباده أو عمل صالح . بهذا يتّضح أنّ دور التوبة - بشرائطها التي ستأتي - أعظم بمراتب من دور غيرها من الشفعاء ، لكنّها من ناحية أُخرى أضيق ظرفاً من