السيد كمال الحيدري
254
في ظلال العقيده والاخلاق
قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً « 1 » . والحاصل أنّ توبة العبد محفوفة بتوبتين من الربّ تعالى ، حيث إنّه يرجع تعالى إلى العبد بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهى التوبة الأولى منه ، فيهتدى العبد إلى الاستغفار وهو توبته ، فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه وهى التوبة الثانية منه تعالى . وإذا تأمّلت حقّ التأمّل وجدت أنّ التعدّد في توبة الله سبحانه إنّما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد وإلّا فهي توبة واحدة هي رجوع الله سبحانه إلى عبده بالرحمة ، ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعاً إليه قبلها وبعدها . وربما كان مع عدم توبة من العبد ، حيث يمكن استفادة ذلك من قوله تعالى : وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ « 2 » فتقييد الجملة بقوله : « وهم كفّار » يدلّ على التوبة للعاصي المؤمن إذا مات على المعصية من غير استكبار ولا تساهل ، فإنّ التوبة من العبد بمعنى رجوعه إلى عبودية اختيارية وإن ارتفع موضوعها كما تقدّم ، لكن التوبة منه تعالى بمعنى الرجوع بالمغفرة والرحمة يمكن أن يتحقّق بعد الموت لشفاعة الشافعين . وهذا معناه أنّ قبول الشفاعة في حقّ العبد المذنب يوم القيامة يعدّ من مصاديق التوبة ، ولعلّ قوله تعالى : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً « 3 » يدلّ على ذلك .
--> ( 1 ) النساء : 17 . ( 2 ) النساء : 18 . ( 3 ) النساء : 27 .