السيد كمال الحيدري
251
في ظلال العقيده والاخلاق
« إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » « 1 » . ممّا تقدّم اتّضح أنّ ما ذكره البعض في قوله تعالى - في قصّة غرق فرعون وتوبته - : حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ « 2 » من أنّ الآية لا تدلّ على ردّ توبته ، وليس في القرآن أيضاً ما يدلّ على هلاكه الأبدي ، وأنّه من المستبعد عند من يتأمّل سعة رحمة الله وسبقتها غضبه أن يجوز عليه تعالى أنّه يردّ من التجأ إلى باب رحمته وكرامته متذلّلًا مستكيناً بالخيبة واليأس ، والواحد منّا إذا أخذ بالأخلاق الإنسانية الفطرية من الكرم والجود والرحمة ليرحم أمثال هذا الإنسان النادم حقيقة على ما قدّم من سوء الفعال ، فكيف بمن هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وغياث المستغيثين ؟ . . . اتّضح أنّ هذا الكلام غير مقبول ؛ لقوله تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْآنَ حيث تبيّن أنّ الندامة حينئذ ندم كاذب يسوق الإنسان إلى إظهاره مشاهدته وبال الذنب ونزول البلاء . ولو كان كلّ ندم توبة ، وكلّ توبة مقبولة ، للزم قبول توبة المجرمين يوم القيامة حيث قال تعالى عنهم : وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ « 3 » ، ولما كان سؤال المجرمين الرجوع إلى الدنيا ليعملوا
--> ( 1 ) الدرّ المنثور في التفسير المأثور ، مصدر سابق : ج 2 ص 460 . ( 2 ) يونس : 91 90 . ( 3 ) سبأ : 33 .