السيد كمال الحيدري
249
في ظلال العقيده والاخلاق
سلطان الآخرة هما الموجبان له أن يقول تبتُ ، سواء ذكره أو لم يذكره ، فالمعنى : إنّى تائب لمّا شاهدت الموت الحقّ والجزاء الحقّ ، وقد قال تعالى في نظيره عن المجرمين يوم القيامة : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ « 1 » . فهذه توبة لا تقبل من صاحبها ، لأنّ اليأس من الحياة الدنيا وهول المطّلع هما اللذان أجبراه على أن يندم على فعله ويعزم على الرجوع إلى ربّه ، ولات حين رجوع ؛ حيث لا حياة دنيوية ولا خيرة عملية . قال الرازي في ذيل هذه الآية : « المانع من قبول التوبة أنّ الإنسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالًا وأهوالًا صارت معرفته بالله ضرورية عند مشاهدة تلك الأهوال ، ومتى صارت معرفته بالله ضرورية سقط التكليف عنه ، ألا ترى أنّ أهل الآخرة لمّا صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب ، لأنّ توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النار لا تكون مقبولة » « 2 » . وهذا ما أيّدته الروايات الكثيرة الواردة في المقام : عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته ، ثمّ قال :
--> ( 1 ) السجدة : 12 . ( 2 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، للإمام فخر الدين محمّد بن عمر الرازي الشافعي ( 604 544 ه ) ج 10 ص 7 ، منشورات محمّد على بيضون لنشر كتب السنّة والجماعة ، دار الكتب العلمية ، بيروت - لبنان ، ط . الأولى 1421 ه .