السيد كمال الحيدري
120
في ظلال العقيده والاخلاق
فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 1 » . ولا يزال يشتدّ هذا الحبّ ثمّ يشتدّ حتى ينقطع إليه من كلّ شئ ولا يحبّ إلّا ربّه ولا يخضع قلبه إلّا لوجهه ، فإنّ هذا العبد لا يعثر بشئ ولا يقف على شئ وعنده شئ من الجمال والحُسن إلّا وجد أنّ ما عنده أنموذج يحكى ما عنده ( تعالى ) من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحدّ ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء ، وكلّ ما كان لغيره فهو له ، لأنّ كلّ ما سواه آية له ليس له إلّا ذلك ، والآية لا نفسية لها وإنّما هي حكاية تحكى صاحبها ، وهذا العبد قد استولى سلطان الحبّ على قلبه ولا يزال يستولى ، ولا ينظر إلى شئ إلّا لأنّه آية من آيات ربّه ، وبالجملة فينقطع حبّه عن كلّ شئ إلّا ربّه ، فلا يحبّ شيئاً إلّا لله وفى الله سبحانه . وحينئذ يتبدّل نحو إدراكه وعمله ، فلا يرى شيئاً إلّا ويرى الله سبحانه قبله ومعه ، وتسقط الأشياء عنده من حيّز الاستقلال ، فما عنده من صور العلم والإدراك غير ما عند الناس ، لأنّهم إنّما ينظرون إلى كلّ شئ من وراء حجاب الاستقلال بخلافه ، هذا من جهة العلم . وكذلك الأمر من جهة العمل فإنّه إذا كان لا يحبّ إلّا الله ، فلا يريد شيئاً إلّا الله وابتغاء وجهه الكريم ، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف ولا يختار ولا يترك ولا ييأس ولا يستوحش ولا يرضى ولا يسخط إلّا لله وفى الله ، فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض ، وتتبدّل غاية
--> ( 1 ) آل عمران : 31 .