الفيض الكاشاني
71
سفينة النجاة والكلمات الطريفة
أهل الحقّ - والأحكام الشّرعيّة إنّما تراد معرفتها للعمل وحاجة المكلّفين إليها جميعاً سواء ، فما الوجه في إخفاء بعض المسائل وإبهامه ؟ فنقول : الحكمة في أكثر الأمور الشّرعيّة غير معلومة لنا إلّاأنّه يمكننا أن نشير - ههنا - إلى ما يكسر سورة استبعادك بأن نقول : يحتمل أن يكون من الحكم في المتشابه المحتاط فيه أن يتميّز المتّقي المتديّن - باحتياطه في الدّين وعدم رتاعه حول الحمى خوفاً من الوقوع فيه - ممّن لا يقوى له ، ويجتري في الرّتاع حوله ، ولا يبالي بالوقوع « 1 » فيه . فيتفاضل بذلك درجات النّاس ومراتبهم في الدّين ؛ فكما أنّ تارك الشّبهات في الحلال والحرام وكذا فاعلها في المردّد بين الفرض والنّفل ليس كالهالك من حيث لا يعلم ، فكذا الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم ، فالنّاس ثلاث فرق مترتّبين . ويحتمل أن يكون من الحكم في المتشابه المخيّر فيه أن يتوسّع التّكليف لجمهور النّاس بإثبات التّخيير في كثير من الأحكام ، وهذه رحمة من اللَّه عزّوجلّ وبه يختلف مراتب التّكليف باختلاف مراتب النّاس في العقل والمعرفة . ولعلّ أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا أشار بقوله : « فلا تكلّفوها ، رحمة من اللَّه لكم فاقبلوها » . « 2 » وما لا نعلم من الحكم أكثر ممّا نعلم . ثمّ ، نقول : وممّا يعدّه أهل الاجتهاد من المتشابهات ، ويجتهدون في تعيين الحكم فيه الأمر المردّد بين الوجوب والنّدب ، والنّهي المردّد بين الحرمة والكراهة . وعند إمعان النّظر يظهر أنّه لا تشابه فيهما ؛ إذ المطلوب فعله أو تركه ممّا
--> ( 1 ) - م : في الوقوع . ( 2 ) - الفقيه من لا يحضره الفقيه 4 / 75 ح 5149 .