الفيض الكاشاني
32
سفينة النجاة والكلمات الطريفة
من الأخبار الإمامة ، متناً وسنداً . ثمّ ، إنّي لم أكلّفكم بالعمل بكلّ ما يُروى ، بل بما اطمأنّتْ إليه أنفسكم منها ، وإلّا « فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ » « 1 » وأهملوه كما أَهمله اللَّه في سبله « 2 » ، فعلْمه موكول إلى اللَّه ، والعمل موسّع علينا من اللَّه . وبعد ؛ فإنّ العمل بالأخبار متّفق عليه بين الإماميّة قاطبة ، وما أظنّك تستطيع ردّه وردّ كتب الحديث رأساً ، وخصوصاً الأصول الأربعة الّتي عليها المدار في ساير الأعصار ؛ وإنّما الخلاف بيننا وبينك في العمل بالأصول الفقهيّة خاصّة . فالأصوليّون متّفقون مع الأخباريّين في العمل بالأخبار ، لا يخالفونهم في ذلك إلّاشاذّ منهم كالسّيّد المرتضى « 3 » وأتباعه ، « 4 » بل ولا هم ؛ لأنّهم لا يردّون الأخبار الغير المتواترة رأساً ، وإنّما يردّون نوعاً منها يسمّونه خبراً واحداً ، لا يوجب علماً ولا عملًا . وليس اصطلاحهم في ذلك موافقاً لاصطلاح من تأخّر عنهم ؛ فإنّ المتأخّرين يسمّون كلّ ما ليس بمتواتر ، آحاد . فالخبر الواحد في اصطلاحهم أعمّ منه في اصطلاح مَن تقدّم عليهم . وبهذا يندفع التّدافع بين كلامي السّيّد المرتضى والعلّامة في خبر الواحد ردّاً وقبولًا ، ودعواهما الاتّفاق على طريق النّقيض ، ولنذكر كلامهما وكلام من تأخّر عنهما حتّى يتبيّن لك الحقّ في ذلك ؛ إن شاء اللَّه تعالى .
--> ( 1 ) - يوسف / 47 . ( 2 ) - ق : سبيله . ( 3 ) - الذّريعة إلى أصول الشّريعة 2 / 528 ، رسائل الشّريف المرتضى 1 / 203 ، 3 / 309 ، 4 / 336 . ( 4 ) - غنية النّزوع 2 / 356 ، السّرائر 1 / 48 - 47 ، 50 ، معالم الدّين وملاذ المجتهدين / 189 .