محمد بن محمد بن أحمد القرشي ( ابن الأخوة )
70
معالم القربة في احكام الحسبة
يا أمير المؤمنين ، إنّى أقدمت على الدّنان بمطالبة الحقّ سبحانه وتعالى بذلك ، وغمر قلبي شاهد الإجلال للحقّ ، وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عنّى فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدّن ، فاستشعرت نفسي كبرا على أنّى أقدمت على مثلك فمنعت ، ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال . فقال المعتضد : اذهب فقد أطلقنا يدك ، غيّر ما أحببت أن تغيّره من المنكر ، قال أبو الحسين : فقلت يا أمير المؤمنين بغض إلى التّغيير لأنى كنت أغيّر عن اللّه تعالى ، وأنا الآن أغيّر عن شرطي ، فقال المعتضد : ما حاجتك ؟ فقلت يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجى سالما ؛ فأمر له بذلك وخرج إلى البصرة « 1 » فكان أكثر أيّامه بها خوفا من أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد ، فأقام بالبصرة إلى أن توفى المعتضد ، ثم رجع إلى بغداد « 2 » . فهذه كانت سيرة العلماء وعاداتهم في الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر وقلّة مبالاتهم بسطوة الملوك ، لكنّهم اتّكلوا على فضل اللّه تعالى أن يحرسهم ورضوا بحكم اللّه تعالى أن يرزقهم الشهادة ، فلمّا أخلصوا للّه النيّة أثر كلامهم في القلوب القاسية فليّنها ، وأزال قساوتها وأمالها للخير ، وأمّا الآن فقد استولى عليهم حبّ الدنيا ، ومن استولى عليه حبّ الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر ، واللّه المستعان على كل حال . وكانت من عادات السّلف الحسبة على الولاة قاطعا بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض ، وكلّ من أمر بالمعروف وإن كان المتولّى راضيا فذلك ،
--> ( 1 ) البصرة - هما بصرتان العظمى بالعراق وأخرى بالمغرب ، والمراد الأولى ، وهي مدينة إسلامية بنيت في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقال معجم البلدان فتحت في زمن عمر . معجم البلدان ( 2 ) بغداد - أم الدنيا وسيدة البلاد ، أول من مصرها الخليفة المنصور وأول من خطها أخوه أبو العباسي السفاح ، قرب الكوفة عاصمة العباسين معجم البلدان