محمد بن محمد بن أحمد القرشي ( ابن الأخوة )

4

معالم القربة في احكام الحسبة

ثم نهج الخلفاء الراشدون منهج النبي صلى اللّه عليه وسلم فتولوا الحسبة بأنفسهم بادئ الأمر عندما كانت الدولة الإسلامية محدودة الأطراف حتى إذا ما اتسعت رقعة البلاد الإسلامية بسبب كثرة الفتوح أنابوا عنهم من يتولى منصب المحتسب للإشراف على الأسواق والموازين والمكاييل والقيام بالمحافظة على الآداب العامة ، وصيانة الحرمات وتنظيم المرور ومراعاة أحكام الشريعة ومحاربة الغش في البيوع والقبض على المتهمين ومحاربة المنكرات من العقود المحرمة كالربا والميسر مما يدخل الآن في اختصاصات وزارة التموين والصحة والتعليم والصناعة والزراعة والداخلية ( الشرطة والمباحث العامة ) والتمغة والموازين والبلدية والقروية والمرور ودارسك النقود والعدل . وغير ذلك من مختلف الوزارات وكان للمحتسب مطلق الحق في تنفيذ ما يراه صالحا لصيانة الأمن العام . ولمكانة علم الاحتساب وأهميته في الصدر الأول ألفت فيه الكتب واعتبر علما من أكبر العلوم من حيث إنه يبحث في الأمور الحارية بين أهل البلد ومعاملاتهم التي لا يتم التمدن بدونها ومن حيث إجراؤها على قانون العدل حتى يتم التراضي بين المتعاملين . ولا شك في أنه علم من أدق العلوم وأسماها لا يدركه إلا من له فهم ثاقب ، وحدث صائب ، ولا يسند إلا لمن له قوة قدسية مجردة عن الميل والهوى بشرط الإيمان والتكليف على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعلم بحكم الشرع فيما يأمر به وينهى عنه والاتصاف والقدرة بحسن الخلق ولين الجانب والمواظبة على السنة مع الإذن من جهة الوالي وصاحب الأمر . وقد بلغت الحسبة في مصر مبلغا كبيرا من العناية بمصالح الناس والعمل على توفير الراحة لهم واستتباب الأمن والنظام . ويرجع تاريخ قيامها بمصر إلى سنة ( 253 ه - 867 م ) وفي بطون الكتب كثير من الأمثلة عن الحسبة والمحتسبين في الشرطة والقضاء وولاية المظالم والحدود والتعذير . ولما كانت الكتب المصنفة في هذا الفن نادرة والباحثون في هذا العلم قلة قليلة فقد أردنا أن نسهم في هذا المضمار بجهد متواضع حسبة للّه تعالى فقمنا بتحقيق مخطوطة « معالم القربة في أحكام الحسبة » لابن الاخوة المتوفى سنة 729 ه حتى تعم الفائدة دور الحكومة وأجهزتها ويستفيد المخلصون بثمرتها .