الشيخ سليمان ظاهر
389
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني
فصمموا النية على القتال المستمر إلى أن تقع في قبضة يدهم . ونال محمود غاية ما يتمنى بعد ذلك ولم يبق لديه غير إخضاع العاصمة والجلوس محل الشاه حسين . وأما جيش إيران فقد تفرق بعد هذه المعركة وعاد كل قائد منهم إلى بلاده . فلم يبق عند الشاه حسين غير المجندين من أهل أصفهان ، وكانوا كما تقدم لا يصلحون لقتال أبطال الأفغان . ووقع الرعب في قلوب الأهالي الإيرانيين حتى انحلت عزائمهم وخارت قواهم ، فعمد الشاه حسين إلى جمع الأشراف واستشارتهم في الأمر ، وكان من رأيه الرحيل عن أصفهان إلى جهة امنع حيث يمكن اجتماع الأنصار والأعوان حوله ، ووافقه العقلاء ما خلا والي جزيرة العرب فإنه هزأ بهذا القصد وعده خيانة ، وأشار بالحرب والقتال ، فانصاع السلطان لرأيه . وكان البعض يظنون أن هذا الأمير العربي خائن متفق سرا مع أمير الأفغان على قلب الدولة ، والذي سيذكر من فعاله بعد هذا يؤيد القول بخيانته . ثم ابتدأ الحصار الشديد ووقع أعظمه على ضواحي مدينة أصفهان وفي مقدمتها بلدة جلفا الأرمنية ، وكان أهل هذه القرية يريدون الإخلاص لدولة إيران ومقاتلة الأفغانيين ما استطاعوا مع كل ما رأوا من وزراء الشاه حسين من الاحتقار ، فجمعوا قواهم وبدأوا بمحاربة الأعداء وأرسلوا يطلبون المدد من والي العرب الذي كان وقتئذ القائد العام للجيوش ، فلم ينجدهم . ولهذا تمكن الأفغانيون من فتح بلدتهم بعد أن قتلوا العدد الكثير منهم . فلما رأى الأرمن أن القتال لا يفيد سلموا للعدو على شرط أن يدفعوا إليه غرامة حربية وخمسين فتاة من عذارى قومهم الأرمن . وكان هؤلاء القوم يغارون غيرة شديدة على عرضهم ويمتازون عن جيرانهم الإيرانيين بالعفة والاجتهاد ، فكبر عليهم هذا الشرط وما قاموا به إلّا لأن سلامتهم تتوقف عليه . ورأى الأمير محمود وأمراؤه الذين وزعت عليهم الفتيات ان الأمر كبير جدا على القوم من هذه الفضيحة ، وان بعض هؤلاء الفتيات انتحرن تخلصا من العار وان أهلهن ملؤوا البر بالصياح والنواح فردوهن إلى أهلهن واظهروا أن الرحمة موجودة في الفطرة الطبيعية وانهم لم يفقدوا الشرف والفضيلة . وظل الحصار والأمير الأفغاني ثمل بخمرة النصر لا يدري ماذا يفعل ولا يأمر بشيء حتى إن بعض الإيرانيين طمعوا فيه وعادوا إلى مناوشة قومه ، فاسترجعوا شيئا من السلاح الذي فقدوه ، ومحمود لا يدري ماذا