الشيخ سليمان ظاهر
250
تاريخ الشيعة السياسي الثقافي الديني
وفي الثانية مضطربا ينتقل من نصب إلى نصب ومن منافحة عدو ومدافعته إلى منافحة عدو آخر ومدافعته . فلم يكن عنده من الفراغ في بغداد ما كان في شيراز ، ولا من المتسع ما يشغل معه قسما من وقته في غير أمور ملكه الجديد . ومعظمه مصروف في التدبير ومنافحة الأعداء والخصوم ، ما كان عنده من المتسع وهو في شيراز آمن مطمئن . وإنما ينفد سر العلم والفضل وتعمر سوق الأدب والشعر حيث توجد الراحة وحيث يكون الفراغ . فأبو علي الفارسي قصده إلى شيراز وأهدى إليه كتابه الإيضاح والتكملة وقرأه عليه . وكذلك قصده أبو الطيب المتنبي وهو في هذه العاصمة بروائع قصائده الخالدات وأبو الحسن محمد بن عبد اللّه السلامي ببدائع شعره وكثير غيرهم ممن لا يحصون عدّا . قال الثعالبي في يتيمته : كان على ما مكن له في الأرض ، وجعل إليه من أزمة البسط والقبض وخص به من رفعة الشأن ، وأوتي من سعة السلطان تفرغ للأدب ، وتشاغل بالكتب . ويؤثر مجالسة الأدباء ، على منادمة الأمراء . وكان وهو في بغداد يعظم الشيخ المفيد غاية التعظيم . وصنف له الرئيس الفاضل أبو الحسن علي بن العباس المجوسي الفارسي كتابه كامل الصناعة الطبية المسمى بالملكي . ما يحمد من أمره وما يذم : يحمد منه عقله وفضله وحسن سياسته ومحبته للعلم والعلماء وما سبق بيانه من اهتمامه بالعمارة وتعبيد الطرق وبناء المارستان العضدي وحفر الأنهار وإدارة السور على مدينة الرسول وتمهيده الطريق بين العراق والحجاز للتسهيل على الحجاج لبيت اللّه الحرام ، وزيارة قبر سيّد الأنام وعمارته قبر أمير المؤمنين عليه السّلام وإجراء النفقات على المساكين والمحاويج وما إليها مما مر ذكره ، وحسن معاملته للخليفة . ويذم منه أنه كان أول من أحدث الفرقة بين أبناء البيت البويهي المالك وهو البيت الذي اجتهد مؤسسوه ومشيدوه أن يبتنى على الألفة والمحبة ، فقد حدث منه مع ابن عمه بختيار ما قد عرفت من مخادعة له وتغرير به إلى أن أوقع الانقسام في صفوف قواده وأتباعه وإلى أن قتله . ثم خلافه مع أخيه فخر الدين وكان له من ذكائه وباهر فطنته وبارع سياسته ما لا يعجز معه من إبقائه في طاعته وهو يملك وسائل إرضائه ولا يدعه يستعين عليه بأعدى أعدائه من آل