حسن ابراهيم حسن

610

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

بدر الحمالى أحس بالحاجة إليها حين فكر في إعادة تحصين مدينة القاهرة وتجديد أسوارها « 1 » . وليس لأحد من الحكام الذين سبقوا صلاح الدين ماله من الآثار الخالدة ، فإليه يرجع الفضل في اتساع مدينة القاهرة وتنسيق هندستها التي كانت تفخر بها إلى عهد قريب : فالقلعة وهي أبرز معالمها من إنشائه ، والمدرسة التي بناها هي أكثر عمائرها ذيوعا وشهرة ، وكل هذه التطورات قد تمت بفضل توجيهاته ، وكان بعض هذه الآثار من أجل الدفاع عن البلاط وبعضها من أجل الدين فأما الأعمال الدفاعية فقد تجلت في إنشاء القلعة والسور وجسر النيل ، وكلها من الأعمال الدفاعية ، التي لم يسبق إليها ، إذ أن الحكام الذين جاءوا قبله جعلوا هدفهم بناء مبان حكومية أو ضواح ملكية ، كل يبعد عن سابقه نحو نصف ميل إلى الجهة الشمالية الشرقية من المدينة ، حتى إن القاهرة الفاطمية نفسها لم تكن تشمل سوى قصور الخلفاء والموظفين . أما صلاح الدين فكان أول من وضع تصميما شاملا لحاضرة عظيمة ، إذ أنه بدلا من أن يحذو حذو من سبقوه من الحكام ويقيم ضاحية جديدة لدولته كما فعل أسلافه ، أخذ يوحّد جميع الأحياء الآهلة بالسكان ويحيطها بسور عظيم وقلعة منيعة . لذلك نرى صلاح الدين يجمع شتات المباني المبعثرة في الأطراف ويضم ميناء المقس إلى مدينة القاهرة . وقد أراد صلاح الدين أن يكون السور من الحجارة وأن يكون امتداد سور بدر الحمالى وزير المستنصر الفاطمي حتى ميناء المقس غربا وجبل المقطم جنوبا ، ومن هناك يمتد إلى النيل ليضم بقايا مدينة الفسطاط غير أن هذا المشروع العظيم لم يتم قط ، لأن صلاح الدين كان منشغلا بحروبه مع الصليبيين . وقد جمع أعوانه في القاهرة الأموال والرجال الذين يحتاج إليهم في حروبه والذين يقومون ببناء ما تقضى به الضرورة من المباني . وكل ماتم هو مد سور بدر الجمالى في الشمال من الخليج إلى النيل حيث أقيمت أبراج المقس المحصنة : أما من الجهة الشرقية فقد مد السور الفاطمي جنوبا إلى باب الوزير بالقرب من سور القلعة الجديدة . غير أن موت صلاح الدين حال دون إتمام هذا العمل الهندسى قبل أن يتم ضم الأسوار . أما الأسوار الجنوبية فلم يكن قد بدىء بعد في بنائها . ولا يزال بعض أسوار صلاح الدين قائمة إلى الآن . ومن الممكن أن يقارن رجال الفن المعمارى بين الأبراج

--> ( 1 ) انظر كتابي تاريخ الدولة الفاطمية ص 533 - 534 .