حسن ابراهيم حسن
541
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وحى بن يقظان الذي نحن بصدده قد ترعرع في هذه الجزيرة حتى أصبح فيلسوفا كاملا ؛ وربما قد جئ به إلى أرضها وهو طفل أو نشأ فيها بالتولد الطبيعي من الناصر الأرضية وأرضعته ظبيه ، ثم توصل إلى تحصيل حاجاته المادية بوسائله الخاصة ، واستطاع بالملاحظة والفكير أن يتوصل إلى معرفة الطبيعة والسماء ومعرفة اللّه ومعرفة نفسه . وقد توصل حي ابن يقظان وهو في التاسعة والأربعين من عمره إلى اللّه ، أي أنه بلغ ما يبلغه الصوفية من الشهود للّه والفناء فيه . عند ذلك لقى حي بن يقظان : آسال ( الذي سما إلى النظر العقلي والتصوف ) . ولم يكن حي يعرف اللغة . ولكنه استطاع أن يتفاهم مع آسال بعد جهده ، حيث ظهر أن فلسفة حي وشريعة آسال صورتان لحقيقة واحدة ، ولكنها عند الأول أكثر وضوحا منها عند الثاني . ولما عرف حي أن في الجزيرة المقابلة لجزيرته أمة بأسرها ما تزال تتخبط في دياجير الخطأ صحت عزيمته على أن يذهب إلى أولئك القوم ويكشف لهم عن الحقيقة . فعلمته التجربة عند هؤلاء القوم أن العامة لا قدرة لهم على إدراك الحقيقة مجردة ، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان على صواب ؛ إذ بين للناس الحقيقة بضرب الأمثال الحسية ، ولم يكاشفهم بالنور الكامل ( وهو نور اللّه سبحانه وتعالى ) . وبعد أن انتهى حي بن يقظان إلى هذه النتيجة عاد مع صديقه آسال إلى جزيرتهما الأولى الخالية ليعبد ربهما عبادة روحية خالصة ما بقي من حياتهما « 1 » . وفي هذه القصة يصور ابن طفيل حياة الإنسان والأطوار التي يجب أن يتطور فيها من يصل إلى الكمال ، غير أن ابن طفيل لا يرى أن الفرد يستطيع وحده ( معتزلا عن المجتمع ) أن يبلغ الكمال وأن يسموا إلى الحقيقة . وإذا استطاع فرد بطريق التصوف والعزلة أن يسموا إلى معرفة اللّه ، فإن ذلك لا يتأتى لكل البشر . ومن هنا بعث اللّه سبحانه وتعالى الرسل إلى الناس ، وكانت رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم التي بعث بها إلى الناس كافة . وتتمثل في قصة حي بن يقظان الأطوار التي مر بها الدين ، كما يتمثل تطور الحكمة الهندية والفارسية واليونانية . وقد صور ابن سينا قبل ابن طفيل بقرنين الإنسان وتطوره ، واعترف ابن طفيل بذلك ولكن ابن طفيل سور العقل الإنسانى الطبيعي الذي يشرق عليه نور من العالم العلوي ،
--> ( 1 ) دى بور : تاريخ الفلسفة في الإسلام الترجمة العربية من 377 - 379 .