حسن ابراهيم حسن
468
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ولكي نبين مدى تأثر ابن تومرت بآراء ابن حزم في العقيدة ، كان من الضروري أن فعقد مقارنة بينهما في هذا الصدد ، ولكنه من العسير أن نعقد مقارنة كاملة بين الإمام ابن حزم ، وبين المهدى بن تومرت في ميدان التوحيد لسبب أساسي وهو أن ابن حزم له مذهب كلامي مفصل واضح المعالم محدد المنهج ، إذ قد ناضل المعتزلة والأشعرية والخوارج والشيعة والمرجئة وغيرهم ، وانتهى من هذا النضال إلى نتائج تميز مذهبه ، وتعين مدرسته ، وتبرز شخصيته . وبهذا الجهد المتواصل انفصلت شخصية المذهب الحزمى عن شخصية المذهب الظاهري الذي فضله ابن حزم على جميع المذاهب ، وأعجب به . أما المهدى بن تومرت فلم يناضل المذاهب الكلامية نضالا علميا ، ولم يقدم لنا نظريات وآراء نستطيع بها أن نبنى له مذهبا خاصا . وكل ما يمكن أن نعمله من مقارنة ، هو مقارنة عقيدته المدونة بكتابه أعز ما يطلب بآراء غيره في ميدان هذه العقيدة ، لنرى مدى التشابه أو المخالفة بينه وبين أهل المذاهب الكلامية المفصلة مثل ابن حزم . وربما كان السبب في تخلف ابن تومرت عن أن يترك للناس مذهبا دراسيا على نمط المعتزلة والأشعرية والحزمية وغيرهم ، أنه أفرغ نشاطه في مقاومة المرابطين ، والتفنن في كيفية قهرهم ، وصرف الناس عن اتباع مذهب السلف الذي قد يجر معتنقيه إلى التشبيه والتجسيم . وابن تومرت في هذا الميدان العلمي يعتبر من الشخصيات العلمية البارزة في التاريخ الإسلامي ، فقد انتهت دعوته بإسقاط دولة عتيدة وإقامة دولة مكانها ، بينما أخفق ابن حزم في نشر مذهبه في حياته ، إذ قهرته السلطات الحاكمة بالأندلس ، ونجح علماء المالكية في الكيد له حتى أحرق المعتمد بن عباد كتبه ، ومات مهيض الجناح وقد ضاق الغزالي بفساد أهل زمانه ، ولكنه لم يجترىء على مساجلة الدولة السلجوقية ، بل كان لها أداة طيعة . والمعتزلة من قبل قد نجحوا في جذب المأمون إلى صفوفهم . كما جذبوا المعتصم والواثق ، ولم يهادنهم الزمن بعد ذلك ، فهزموا على يد السنيين هزيمة لم تقم لهم بعدها قائمة . وابن تومرت مصلح ديني عملي ، وإن لم يترك مذهبا كلاميا كاملا . وسوف نقدم نصا من عقيدته كما دونها في كتابه « أعز ما يطلب » . قال المهدى ابن تومرت تحت عنوان « توحيد الباري سبحانه » لا إله إلا الذي دلت عليه الموجودات ، وشهدت عليه المخلوقات ، بأنه جل وعلا ، وجب له الوجود على الإطلاق ، من غير تقييد ولا تخصيص بزمان