حسن ابراهيم حسن
407
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ومن مراكز التجارة في العصور الوسطى عيذاب ( بفتح العين وتسكين الياء ) على ساحل البحر الأحمر . وقد نافست ميناء القصر ، ولعبت دورا هاما في تجارة البحر الأحمر . وازدهرت عيذاب في القرنين الخامس والسادس للهجرة لتحول طريق التجارة الفاطمية إلى الجنوب بسبب اشتداد النزاع بين الفاطميين والسلاجقة الذين كانوا أصحاب النفوذ في بغداد حاضرة الدولة العباسية في ذلك العصر ، ثم لاستيلاء الصليبيين على أبلة ( بفتح الألف وسكون الباء وفتح اللام ) الواقعة على زاوية خليج العقبة سنة ( 510 ه ) 1116 م . وقد ذكر ابن جبير « 1 » أن أهل عيذاب جمعوا ثروة طائلة من السفن التي كانوا يمتلكونها ، وكانوا يحترفون التجارة وينقلون الحجاج ويقومون بصيد اللؤلؤ في شهري يونية ويولية من كل سنة . وكان التجار والحجاج يفدون إلى ثغر عيذاب عن أحد طريقين : أحدهما طريق قوص ويتفرع إلى فرعين ؛ أحدهما يعرف بطريق « العبدين » . ويعرف الثاني بطريق « دون » وهي قرية على شاطىء النيل . أما الطريق الثاني فهو طريق مدينة أسوان . وعلى الرغم من شدة الحرارة وقلة الماء في هذا الطريق في الصيف ، يمتاز عن الطريق الأول بقصره ، فكانت القوافل تقطعه في خمسة عشر يوما . كما يمتاز هذا الطريق بخلوه من الجبال المتشابكة التي تكثر في الطريق الأول . أضف إلى ذلك أن أسوان كانت ثغرا هاما للتجارة مع بلاد النوبة . لذلك كان المسافرون يفضلون طريق أسوان على طريق مدينة قوص . وكانت المراكب تسير بالحجاج شرقا إلى جدة ميناء الحجاز ، أو بالسلع جنوبا إلى بلاد اليمن وعدن حيث تستأنف سيرها إلى سواحل بلاد الهند والصين ، ثم تعود محملة بالبضائع إلى عيذاب ، ومنها إلى الساحل المصري ، لذلك كانت عيذاب من أعظم مراسى الدنيا ، لأن مراكب الهند واليمن كانت تفرغ فيها البضائع . ويقلع منها الحجاج في ذعابهم وإيابهم . ومما لا شك فيه أن تحول طريق التجارة إلى الجنوب قد أدى إلى انتعاش كبير في حالة عيذاب الاقتصادية ، لما تبع هذا التحول من جباية المكوس على السلع التي تمر بها ، أو الاستيلاء على جزء منها للاستهلاك المحلى ، كما استفاد الأهالي من اشتغال عدد كبير منهم في شحن السلع وتفريغها ، مما أدى إلى رخاء أهل عيذاب ونشر الأمن بينهم .
--> ( 1 ) رحلة ابن جبير ص 35 - 42 حسن إبراهيم حسن : تاريخ الدولة الفاطمية ص 602 - 603 .