حسن ابراهيم حسن

372

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

فأحيانا يستعملون الحراقات ، أو يقومون بقذف كميات ضخمة من الأحجار ، أو يطلقون المياه الغزيرة في قوة وعنف . وكان عبد المؤمن نفسه أستاذا في فن الحصار ففي حصار فاس التي قاومت أسوارها المنيعة مدة طويلة ، نرى عبد المؤمن يستعين بمياه النهر التي أمر بحفظها في خزانات ضخمة ، ثم يطلقها دفعة واحدة على الأسوار . وكذلك نراه يحرق أبراج مدينة وهران بالنيران المحرقة المصحوبة بقذف الآلات ، ويفتح مدينة المهدية بحيلة مماثلة ، وذلك بتحطيم جدرانها القوية التي يسير عليها فارسان متحاذيان وبمثل هذه المهارة استولى عبد المؤمن على مدينة مراكش التي لم تقف أسوارها المنيعة عقبة في سبيل فتحها . وعلى هذا النحو سقط في أيدي الموحدين كثير من القلاع في أضيق المفاوز الجبلية في المغرب والأندلس ، وذلك بفضل آلات الحصار الضخمة التي كانت تقذف كتلا هائلة من الحجارة والكرات الملتهبة من الحديد . ( و ) إمرة الأسطول : كانت السفن الإسلامية تبنى في معظم المرافىء البحرية السورية والمصرية ، كما كانت هذه السفن أضخم من السفن البيزنطية ، كما كثر عدد سفن البحرية التجارية ولقيت التجارة البحرية كل تشجيع . وكان بكل مرفأ منارة تدعى « الخشب » . ويظهر أن الأسطول لم يكن مؤلفا من السفن التي ابتنتها الحكومة للمهام الحربية فحسب ، بل كان لزاما على كل مقاطعة أو ثغر أن تقوم بتقديم عدد معين من السفن إذا طلب منها ، وذلك في أيام الفاطميين في مصر . وعلى هذا النحو سار صلاح الدين الأيوبي . ولكل سفينة حربية قائد ( أو مقدم ) يتولى القيادة في سفينته ، ويقوم بتدريب الجند وتجهيز الحملات ، في الوقت الذي نرى موظف آخر يدعى « الرئيس » يتولى الإشراف على الملاحة ، ويدعى قائد الأسطول أمير الماء أو أمير البحر ومنه اشتق لفظ larimdA larimA . ويدين العرب للبيزنطيين بفضل تعليمهم الفنون البحرية . ولكن العرب الذين تعلموا هذه الفنون من البيزنطيين أصبحوا أساتذة أوروبا ، لما فطروا عليه من الشجاعة وحب المغامرة . يدلنا على ذلك أن بعض الاصطلاحات البحرية المستعملة في أوروبا لا تزال تحتفظ بعربيتها إلى اليوم . وكان أثر العرب في شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط بوجه خاص ، أبعد مدى من أثر غيرهم من شعوب أوروبا . ويقول فون كريمر : ومما يوضح لنا أن الأسطول العربي القديم كان نموذجا لأساطيل الأقطار المسيحية ، أن كثيرا من الاصطلاحات العربية البجرية لا تزال شائعة على ألسنة البحارة في جنوبي أوروبا . نذكر