حسن ابراهيم حسن
447
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الخليفة المستعين ليصفو الجو لابنها المعتز . واشتهرت قبيحة بالثراء ، حتى ذكر ابن الأثير ( ج 7 ص 70 ) أنهم وجدوا عندها مليونا وثمانمائة ألف دينار ، ومع ذلك عرضت ابنها لعنت الأتراك الذين تأخرت رواتبهم المستحقة لهم وقدرها خمسون ألف دينار فقط ، ولم يلبث أن ذهب ضحية هذا البخل . واستأثرت « السيدة » أم الخليفة المقتدر ( 295 - 320 ه ) بنفوذ كبير في الدولة العباسية . وليس أدل على عظم نفوذها وتدخلها في شؤون الدولة وتمتعها بنفوذ أقوى من نفوذ الخليفة ، من ذلك الكتاب « 1 » الذي بعث به إليها الوزير المصلح علي بن عيسى يتنصل فيه من التبعات التي ألقتها عليه في إدارة شؤون الدولة المالية . وعلى الرغم مما قام به هذا الوزير من إصلاح كان مصيره العزل . وقد ذكر ابن الأثير ( ج 8 ص 37 ) أن أم موسى القهرمانة ذهبت إلى منزل الوزير لتتفق معه على ما يحتاج حرم الدار والحاشية من الكسوات والنفقات ، فوصلت إليه وهو نائم ، فطلب إليها حاجبه أن تنتظر ساعة حتى يستيقظ ، فعادت إلى دارها مغضبة ، ولما استيقظ الوزير أرسل حاجبه وولده يعتذران إليها فلم تقبل ، ودخلت على الخليفة المقتدر ورمت الوزير بما أدى إلى عزله عن الوزارة وقبض عليه . وليس هذا كل ما كانت تتمتع به السيدة من نفوذ ، فقد اتسعت سلطتها إلى حد أنها استطاعت أن تعين قرمانتها « ثومال » صاحبة للمظالم . فكانت تجلس أيام الجمع في مكان بنته « السيدة » في الرصافة « 2 » . ومما يدل على مبلغ تدخل السيدة في شؤون الدولة هذه الحكاية التي قصها الصولي « 3 » الذي تلمذ له الراضي بن المقتدر وهو أمير ، فإنها تبين لنا عدم اهتمام السيدة وقهرماناتها بتنشئة الأمراء تنشئة قوامها التوافر على العلم ، وتوجيههم وجهة صالحة في الإلمام بنظم الحكم ، والوقوف على أحوال الدولة وعلاقتها بغيرها من الدول ، بل على العكس من ذلك ، فإن النساء اللاتي غدون أصحاب الحل والعقد ، لم يأبهن أن يكون الأمير أو ولى العهد متعلما مثقفا ، وإنما يردنه ضعيفا غير ملم بشؤون الحكم . وقد أدى تدخل « السيدة » في شؤون الدولة إلى ضعف الخلافة العباسية ، كما أن إلقاء القبض على الوزير المصلح علي بن عيسى بسبب اعتذاره عن إجابة قهرمانتها أم موسى إلى ما طلبت قد حرم الخلافة الاستفادة بمواهبه الممتازة وسياسته الرشيدة . كما كان من أثر تعيين « ثومال » قهرمانة « السيدة » صاحبة للمظالم ، أن استهتر العامة بالخلافة ونظروا إلى حكامها نظرة الاحتقار والازدراء .
--> ( 1 ) راجع هذا الكتاب في مسكويه : تجارب الأمم ج 1 ص 247 - 248 . ( 2 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 253 . ( 3 ) أخبار الراضي باللّه والمتقى للّه ص 5 - 6 ، 26 .