حسن ابراهيم حسن
438
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الأندلس بقصورها الفخمة . وقد ذكرنا أن أمراء الأمويين في الأندلس ، كالحكم الأول وعبد الرحمن الأوسط ومحمد ، شيدوا قصورا فخمة كالمجلس الزاهر ، والبهو الكامل والقصر المنيف ، وقصر الدمشق ، وأن عبد الرحمن الناصر شيد بمدينة الزهراء قصره العظيم الذي سماه دار الروضة ، والذي أطنب المؤرخون والرحالة في وصفه . وقد وصف المقرى « 1 » قصر قرطبة في هذه العبارة فقال : « ابتدع الخلفاء من بنى مروان منذ فتح اللّه عليهم الأندلس بما فيها ، في قصرها البدائع الحسان ، وأثروا فيه الآثار العجيبة والرياض الأنيقة ، وأجروا فيه المياه العذبة المجلوبة من جبال قرطبة على المسافات البعيدة ، وتمونوا المؤن الجسيمة ، حتى أوصلوها إلى القصر الكريم . وأجروها في كل ساحة من ساحاته وناحية من نواحيه ، في قنوات الرصاص تؤديها منها إلى المصانع صور مختلفة الأشكال من الذهب الإبريز والفضة الخالصة والنحاس المموه ، إلى البحيرات الهائلة والبرك البديعة والصهاريج الغريبة ، في أحواض الرخام الرومية المنقوشة العجيبة . وفي هذا القصر القباب العالية السمو المنيفة العلو التي لم ير الراءون مثلها في مشارق الأرض ومغاربها » . ومن قصور الأمويين في الأندلس القصر الذي بناه المأمون بن ذي النون بطليطلة ، وقد أنفق على بنائه أموالا ضخمة ، وجعل في وسطه بحيرة في وسطها قبة من زجاج ملون منقوش ، وجلب الماء إلى القبة بحيث كان ينزل من أعلاها ويحيط بها من جوانبها . فكانت قبة الزجاج في غلالة مما سكب خلف الزجاج لا يفتر من الجرى ، والمأمون قاعد فيها لا يمسه من الماء شئ ولا يصله . وتوقد فيها الشموع ، فيرى لذلك منظر بديع عجيب . وبينما هو فيها مع جواريه ذات ليلة إذ سمع منشدا ينشد : أتبنى بناء الخالدين وإنما * مقامك فيما لو علمت قليل لقد كان في ظل الأراك كفاية * لمن كلّ يوم يقتضيه رحيل فنغص عليه حاله وقال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، أظن أن الأجل قد قرب ، فلم يلبث بعدها غير شهر وتوفى . . . وذلك سنة 462 ه » « 2 » .
--> ( 1 ) نفح الطيب ج 1 ص 219 . ( 2 ) المصدر نفسه ج 1 ص 250 - 251 .