حسن ابراهيم حسن

430

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

والفاطميون في مصر والأمويون في الأندلس ينفقون في سبيل رفاهيتهم عن سعة ، ويعيشون عيشة قوامها البذخ والإسراف وحب الظهور . لذلك حفلت قصور الخلفاء والأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة بالمغنين والموسيقين . وأصبحت مجالسهم آية من آيات الروعة والجمال . أخذ العباسيون نظام مجالسهم عن الفرس كما نعلم ، وعلى الرغم من ضعف الدولة في العصر العباسي الثاني ، كان الخلفاء مجالس الطرب والغناء يحضرها والشعراء والأدباء والمغنون والموسيقيون والملهون . وقد ذكر المسعودي « 1 » أن مجلس المتوكل أول خلفاء العصر العباسي جمع مرة بين الشعراء والأدباء والملهين . وقد مدح البحتري هذا الخليفة بقصيدة قال في مطلعها . عن أىّ ثغر تبتسم * وبأىّ طرف تحتكم ؟ حسن يضئ بحسنه * والحسن أشبه بالكرم قل للخليفة جعفر ال * متوكل بن المعتصم أما الرعية فهي من * أمنات عدلك في حرم فلما انتهى هذا الشاعر سار القهقرى للانصراف ، فوثب أبو العنبس الصيمري الشاعر فقال : أمير المؤمنين تأمر برده ، فقد واللّه عارضته في قصيدته هذه . فأمر برده فأخذ الصيمري ينشد قصيدة له على مثل قافية البحتري ووزنها يهجوه فيها فقال : في أىّ سلح ترتطم * وبأي كف تلتقم ووصل ذلك بما أشبه من الشتم ، فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه ، وفحص برجله اليسرى وقال : يدفع إلى أبى العنبس عشرة آلاف درهم ، فقال الفتح ( بن خاقان ) : يا سيدي . . البحتري الذي هجى وأسمع المكروه ينصرف خائبا ! قال : ويدفع إلى البحتري عشرة آلاف درهم . قال يا سيدي ! فهذا البصري الذي أشخصناه من بلده لا يشركهم فيما حصلوه ؟ قال : ويدفع إليه عشرة آلاف درهم . فانصرفنا كلنا في شفاعة الهزل ، ولم ينفع البحتري جده واجتهاده وحزمه . ثم قال المتوكل لأبى العنبس : أخبرني عن حمارك ووفاته وما كان من شعره في الرؤيا التي رأيتها . قال : نعم يا أمير المؤمنين ، كان أعقل من القضاة ، ولم يكن له جرية ولا زلة ، فاعتل علة على عفلة

--> ( 1 ) مروج الذهب ( طبعة باريس ) ج 8 ص 202 - 206 .