حسن ابراهيم حسن

421

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وإن هذا العمل الذي يشهد لأمويى الأندلس بالبراعة في الهندسة والبناء كلف الناصر أموالا ضخمة ، حتى قيل إنه خصص ثلث خراج دولته في بناء هده المدينة « 1 » ، وإنه لقى معارضة قوية تزعمها رجل اشتهر بالورع والتقوى والتفقه في الدين ، هو المنذر ابن سعيد البلوطى الذي ولاه الناصر إمامة الصلاة بقرطبة والزهراء بعد أن تم بناء مسجدها . وقد تحلى هذا الإمام بالشجاعة التي جعلته ينقد تصرف الخليفة متهما إياه بأنه بذل الأموال الضخمة في بناء المدينة مما شغله عن مباشرة أمور الدولة . على أن هذه المدينة لم تعمر طويلا ، بل ذبلت ودكت معالمها حين ولى الحجابة عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر الحاجب ، ويلقب بشنجول « 2 » . ففي سنة 399 ه . خلع الخليفة المؤيد بن الحكم المستنصر بن عبد الرحمن ، وتقلد الخلافة من بعده محمد ابن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر ، وهدم مدينة الزهراء ، واتخذ قرطبة حاضرة لخلافته « 3 » . ولم يقتصر بناء المدن على الخلفاء ، بل تعداه إلى الوزراء ، فقد بنى المنصور بن أبي عامر الحاجب مدينته الزاهرة بضواحى قرطبة وشيد فيها قصرا فخما . وفي سنة سبعين وثلاثمائة انتقل إليها المنصور واتخذ فيها الدواوين والأعمال ، ثم اقطع ما حولها لوزارئه وكتابه وقواده وحجابه ، فبنوا بها الدور والقصور ، واتخذوا خلالها الضياع . وقامت بها الأسواق وكثرت بها الإرفاق « 4 » ، ونزل الناس بالنزول في أرباضها التي اتصلت بأرباض قرطبة « 5 » .

--> ( 1 ) المقرى : أزهار الرياض ج 2 ص 269 - 271 . ( 2 ) شنجول تصغير شانحة ملك قشتالة الذي أهدى ابنته إلى المنصور فتزوجها وأنجب منها ولده عبد الرحمن الذي عرف باسم شنجول نسبة إلى جده لأمه . ( 3 ) قال ابن خلدون ( العبر ج 4 ص 149 - 150 ) إنه تلقب الناصر لدين اللّه ، وحجر على الخليفة هشام ، وطلب منه أن يوليه عهده ، وأحضر أهل الحل والعقد وكتب عهده . ولكن العامة غضبوا على عبد الرحمن لتعديه على حرمة الخلافة ، وخرج عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر في سنة 399 ه ، وتلقب المهدى ، وخلع هشاما وحبسه ، وأسر شنجول وقتل . ( 4 ) الأعمال ووجوه الرزق . ( 5 ) المقرى : نفح الطيب ج 1 ص 275 .