حسن ابراهيم حسن

391

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

الكتاب كلامه على مرض الجدري وأسبابه الظاهرية والباطنية وأعراضه وطرق علاجه . ( ج ) ابن سينا : ذكرنا من قبل أن ابن سينا درس المنطق والفلسفة على أبى على الناتلى ، وأنه أخذ الفقه على إسماعيل الزاهد ، واشتغل بالطب بعد أن توجه الناتلى إلى خوارزم شاه مأمون بن محمد « وتأمل الكتب المصنفة فيه ، وعالج تأدبا لا تكسبا ، وعلمه هذا فاق الأوائل والأواخر في أقل مدة ، وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثل . واختلف إليه فضلاء هذا الفن وكبراؤه ، يقرءون عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة . وسنه إذ ذاك نحو ست عشرة سنة . وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ، ولا اشتغل في النهار بسوى المطالعة . وكان إذا أشكلت عليه مسألة ، توضأ وقصد الجامع وصلى ، ودعا اللّه عز وجل أن يسهلها عليه ويفتح مغلقها له . وذكر عند الأمير نوح بن نصر السامانى ( 331 - 343 ه ) صاحب خراسان في مرض مرضه ، فأحضره وعالجه حتى برئ ، واتصل به وقرب منه ، ودخل إلى دار كتبه . . فظفر أبو علي فيها بكتب من علم الأوائل وغيرها ، وحصل نخب فوائدها ، واطلع على أكثر علومها . واتفق بعد ذلك اختراق تلك الخزانة ، فتفرد أبو علي بما حصله من علومها . وكان يقال إن أبا على توصل إلى إحراقها لينفرد بمعرفة ما حصله منها وينسبه إلى نفسه . ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها « 1 » . ولما اضطربت أمور الدولة السامانية خرج أبو علي من بخارى وقصد قصبة خوارزم ، واختلف إلى خوارزم شاه علي بن مأمون بن محمد ، ثم انتقل إلى نسا وأبيورد وطوس وغيرها من البلاد . وكان يقصد الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير في طبرستان . وكان السلطان محمود الغزنوي قد بعث في طلب العلماء الذين كانوا ببلاط خوارزم شاه . فلما هرب ابن سينا أمر هذا السلطان بنشر صورته في الآفاق . وقد مرض أحد أقرباء شمس المعالي قابوس وشمكير ، فعالجه ابن سينا وثم شفاؤه على يديه ، فاستدعاه قابوس إليه وعرف شخصيته ، لكنه آثر بقاؤه في خدمته . ولما سجن قابوس ومات ذهب ابن سينا إلى داهستان ، ثم عاد إلى جرجان وصنف بها كتابه الأوسط الجرجاني ، ثم انتقل إلى الري ، ثم إلى قزوين وهمذان ، وتقلد الوزارة لشمس الدولة بن فخر الدولة ( 387 - 412 ه ) . لكن الجند ثاروا عليه فتوارى ، ثم أعيد لمداواة هذا الأمير ، وتقلد الوزارة من جديد ، وظل فيها إلى أن مات شمس الدولة ، وتولى تاج الدولة فلم يستورده ، فتوجه إلى أصبهان ، فأحسن إليه أميرها علاء الدولة ابن كاكويه الذي يقول فيه ابن الأثير ( ج 9 ص 170 ) : « ولا شك أن أبا جعفر

--> ( 1 ) ابن خلكان ج 1 ص 152 - 153 .