حسن ابراهيم حسن
383
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الطبيعي ، ولها من وراء هذا أغراض سياسية ، وتبدأ فلسفة إخوان الصفا بالنظر في الرياضيات ، وبالتلاعب بالأعداد والحروف ، ثم تنتقل إلى المنطق والطبيعيات ، فترد كل شئ إلى النفس وما لها من قوى ، وتنتهى أخيرا إلى الاقتراب من معرفة اللّه على نمط صوفي . وصفوة القول في آرائهم أنها تتضمن مذهب جماعة مضطهدة ، تبدو النزعات السياسية مع جميع أجزائه ، ونرى من خلاله بعض ما عاناه أصحاب هذه الرسائل من آلام وما قاموا به من كفاح ، وما استهدفوا له هم وأسلافهم من ظلم ، نتبين منه ما كان يختلج في نفوسهم من الأمل ، وما تواصلوا به من الصبر . وهم يلتمسون في هذه الفلسفة الروحية سلوى لنفوسهم وتطهيرا لها . وهذه الفلسفة هي دينهم ، وشعارهم المذكور أن يكون الواحد منهم مخلصا حتى الموت ، لاعتقادهم أن ملاقاة الموت في سبيل صلاح الإخوان هي الجهاد الصحيح . وكانوا يؤولون الحج إلى مكة بأنه مثل ضربه اللّه لطواف الإنسان على هذه الأرض « 1 » . فأوجبوا على الإنسان أن يساعد أخاه في هذه الحياة بكل ما يستطيع ، فيجب على صاحب المال أن يجعل للفقير حظا من ماله ، وعلى من أوتى شيئا من العلم أن يعلم أخاه الجاهل ، غير أن العلم - كما نراه في رسائل إخوان الصفا - قد حبس على خاصة المستنيرين من أفراد الطبقة العليا « 2 » . من هذا نرى أن الغرض الذي كان يرمى إليه مؤلفو هذه الرسائل هو محاولة التوفيق بين الدين والعلم ، ولكنهم لم يستطيعوا إرضاء أهل الدين ولا أهل العلم ، فإن المتكلمين والفقهاء السنيين عابوا عليهم طريقتهم في التأويل . كما أن الفلاسفة ، والمتأثرين منهم بفلسفة أرسطو بوجه خاص ، عابوا عليهم مبادئهم الفلسفية . ومع هذا استطاعت الفلسفة اليونانية أن تستقر في الشرق بفضل هذه الطائفة ، كما تأثرت بكتاباتهم طوائف الإسماعيلية : كالدرزية والنزارية المشهورين بالحشيشية في فارس والشام ، كما أفاد آخرون في تأليف موسوعاتهم على غرار رسائل إخوان الصفا « 3 » . وقد ذكر الشهرزوري أسماء خمسة من العلماء من مؤلفي هذه الرسائل وهم : أبو سليمان محمد بن نصر البستي ، ويسمى أيضا المقدسي ( أو المقدّسى ) ، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، وأبو أحمد النهرجورى ( أو المرجاني ) ، والعوفي ، وزيد ابن رفاعة . ويظهر أن الثلاثة الأولين من هؤلاء من أصل فارسي كما يتضح من
--> ( 1 ) رسائل إخوان الصفا ج 2 ص 119 . ( 2 ) دى بور : تاريخ الفلسفة الإسلامية ص 98 - 99 . ( 3 ) المصدر نفسه ص 99 .