حسن ابراهيم حسن
378
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ينشد القصيدة التي يسمعها قط ، وهي أكثر من خمسين بيتا ، فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها ، لا يخرم حرفا ولا يخل بمعنى ، وينظر في الأربعة والخمسة أوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ، ثم يهذها « 1 » عن ظهر قلبه هذا ويسردها سردا . وهذه حاله في الكتب الواردة عليه وغيرها . وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى بديع وباب غريب ، فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها فيها . وربما كان يكتب الجواب المقترح عليه ، فيبتدئ بآخر سطر منه ثم هلم جرا إلى الأول ويخرجه كأحسن شئ وأملحه . ويوشح القصيدة « 2 » الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة من إنشائه . ويقترح عليه كل عويص وعسير من النثر ، فيرتجله في أسرع من الطرف على ريق لا يبلعه ونفس لا يقطعه » . اتصل بديع الزمان بالصاحب بن عباد وأخذ عنه ، كما اتصل بأبى بكر الخوارزمي . ومن رسائله إلى الخوارزمي : « أنا لقرب الأستاذ أطال اللّه بقاءه ، كما طرب النشوان مالت به الخمر ، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العصفور بلله القطر ، ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصهباء والبارد العذب ، ومن الابتهاج بمرآة كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب » « 3 » . ومن رقعة له : « يعز علىّ أيد اللّه الشيخ أن ينوب في خدمته قلمي عن قدمي ، ويسعد برؤيته رسولي قبل وصولى ، ويرد مشرع الأنس به كتابي قبل ركابى ، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة : وعلىّ أن أسعى ولي * س علىّ إدراك النجاح وقد حضرت داره وقبلت جداره ، وما بي حب للحيطان ولكن شغف بالقطان ، ولا عشق للجدران ولكن شوق إلى السكان » « 4 » .
--> ( 1 ) الهذ سرعة القراءة . ( 2 ) التوشيح التزين بالوشاح ، والمراد أنه يجمع بين صناعتي الشعر والنثر . ( 3 ) رسائل بديع الزمان الهمذاني ص 128 - 129 . ( 4 ) الثعالبي : يتيمة الدهر ج 4 ص 243 .