حسن ابراهيم حسن

83

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

منك . لنسفهن حامك ، ولنفيلن « 1 » رأيك ، ولنضعن شرفك » . وإن كان تاجرا قال له : لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك ، وإن كان ضعيفا ضربه . ولما مات ياسر من العذاب ، أغلظت امرأته سمية القول لأبى جهل فطعنها بحربة فماتت ، وهي أول شهيدة في الإسلام . ثم أمعن المشركون في تعذيب ابنه عمار ، بالحر تارة وبوضع الصخر على صدره تارة أخرى « 2 » . وهذا بلال مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذي ذاعت شهرته باعتباره أول مؤذن في الإسلام ، ومن أعظم الفقهاء والمحدثين . وهو عبد حبشي وصفه الرسول بأنه أول ثمار الحبشة ، وكان يقاسى أشد ألوان العذاب . وكان خلف الجمحي من مشركي قريش يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره إذا حميت الشمس وقت الظهيرة ، ثم يأمر بالصخرة الكبيرة فتلقى على صدره ويقول له : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى . وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يقول : أحد أحد ! فيقول أحد أحد واللّه يا بلال ، ولم يزل على هذا العذاب حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه . أما خبّاب بن الأرتّ فقد عذبه الكفار عذابا شديدا ، إذ كانوا يوثقون ظهره بالرمضاء ثم بالرضف « 3 » ، فلم يزده ذلك إلا تمسكا بالإسلام وإخلاصا له . وقد هاجر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وشهد معه المشاهد كلها . ولم يقتصر تعذيب قريش المسلمين على الرجال بل تعداهم إلى النساء . فقد أسلمت لبينة جارية بنى مؤمن ( وهو حي بنى عدى بن كعب ) قبل إسلام عمر ابن الخطاب ؛ فكان عمر يمعن في تعذيبها حتى يمل ، ثم يدعها ويقول : إني لم أدعك إلا سآمة ، ولم تزل في هذا العذاب حتى اشتراها أبو بكر وأعتقها « 4 » . وقد ضعفت عزائم فئة قليلة بتأثير هذه المحنة ، على حين ساعد هذا الاضطهاد على إذكاء الحماسة الدينية في نفوس فئة أخرى : فقد برهن عبد اللّه بن مسعود على جرأته حين قرأ القرآن في فناء الكعبة نفسها ، فتعرض له قوم من قريش وجعلوا يضربونه في وجهه ؛ لكنه مستمر يتلو القرآن ، ثم أعاد إلى رفاقه واظهر

--> ( 1 ) أي لنقبحنه ولنخطئنه . ( 2 ) ابن هشام ج 1 ص 342 . ( 3 ) الحجارة المحماة بالنار . ( 4 ) ابن هشام ج 1 ص 339 - 341 .