حسن ابراهيم حسن

542

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

في العيش والتقلل في المطعم والملبس . كان أحدهم يمشى في الأسواق راجلا وعليه القميص الخلق المرقوع إلى نصف ساقه ، وفي رجله تاسومة وفي يده درة . فمن وجب عليه حد استوفاه منه . وكان طعامهم من أدنى أطعمة فقرائهم . ضرب أمير المؤمنين علي عليه السلام المثل بالعسل والخبز النقى ، فقال في بعض كلامه : ولو شئت لاهتديت إلى مصفى العسل بلباب هذا البر . واعلم أنهم لم يتقللوا في أطعمتهم وملبوسهم فقرا ولا عجزا عن أفضل لباس وأشهى مطعم ، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك مواساة لفقراء رعيتهم ، وكسرا للنفس عن شهواتها ، ورياضة لها لتعتاد ؟ ؟ ؟ حالاتها . وإلا فكل واحد منهم كان صاحب ثروة ضخمة ونخل وحدائق وغير ذلك من الأسباب . ولكن أكثر خروجهم كان في وجوه البر والقرب « 1 » . وكان العرب يراعون قواعد الصحة ، فلا يدخلون الطعام على الطعام ، ولا يسرفون في المأكل . أثر عن الرسول قوله : « نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع » . كما كانوا يغسلون أيديهم قبل الطعام وبعده ، ويأكلون بأيديهم لعدم وجود الملاعق والشوك في ذلك الوقت ، كما كانت الحال في أوروبا إلى عهد قريب . ومع ذلك ذكر الإمام أحمد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يستعمل السكين في قطع اللحم . وكان العرب كرماء يجودون بطعامهم ولا سيما أهل البوادي ، حتى كانوا يوقدون النار ليلا ليهتدى بها الضيفان الغرباء ؛ يدل على ذلك قول الشاعر : وإني لمعط ما وجدت وقائل * لموقد ناري : ليلة الريح أوقد وكانوا إذا أكلوا جميعا بسطوا سماطا على الأرض ثم جلسوا صفين من حوله كما نجلس اليوم حول المائدة « 2 » . ومن أطعمة العرب الثريد ، وهو الخبز يفت ويبل بالمرق ويوضع فوقه اللحم . ومنه اللمزة وهو الخبز يكسر على السمن ، والكوثان ، وهو الأرز والسمك ، والأطربة ، وهو طعام كالخيوط من الدقيق ، و « الشعيرية » ، وهو

--> ( 1 ) الفخري في الآداب السلطانية ص 70 - 71 . ( 2 ) ابن القيم : زاد المعاد ج 4 ص 308 .