حسن ابراهيم حسن

488

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

الأولى - أن القاضي كان يحكم بما يوجيه إليه اجتهاده ، إذا لم تكن المذاهب الأربعة التي تقيد بها القضاة قد ظهرت بعد . فكان القاضي في هذا العصر يستنبط الحكم بنفسه من الكتاب والسنة أو الإجماع أو يجتهد في الحكم اجتهادا . الثانية - أن القضاء لم يكن متأثرا بالسياسة ، إذ كان القضاة مستقلين في أحكامهم لا يتأثرون بميول الدولة الحاكمة ، وكانوا مطلقى التصرف وكلمتهم نافذة حتى على الولاة وعمال الخراج . كما كان القضاة في العصر الأموي من خيرة الناس ، يخشون اللّه ويحكمون بين الناس بالعدل . وعلى الرغم من أنهم كانوا مستقلين في أحكامهم ، كان الخليفة يقرب أحكامهم ويعزل من يشذ منهم عن الطريق السوى . حكى الكندي « 1 » أن هشام بن عبد الملك بلغه أن يحيى بن ميمون الحضرمي لم ينصف يتيما احتكم إليه بعد بلوغه ، فكتب إلى عامله على مصر يقول : « اصرف يحيى عما يتولاه من القضاء مذموما مدحورا ، وتخير لقضاء جندك رجلا عفيفا ورعا تقيا سليما من العيوب لا تأخذه في اللّه لومة لائم » . ومن هذه العبارة نتبين الصفات التي كان يجب أن تتوافر في القاضي في ذلك العصر . قال عمر بن عبد العزيز : « إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل : علم كان قبله ، ونزاهة عن الطمع ، وحلم عن الخصم ، واقتداء الأئمة ، ومشاركة أهل العلم والرأي . وفي ذلك العهد ظهرت الحاجة إلى وجود سجلات تدون فيها الأحكام التي يصدرها القضاة ، ولم يعرف هذا في عهد الخلفاء الراشدين . إلا أن تناكر الخصوم أدى إلى إدخال هذا النظام ، فوجدت السجلات . قال الكندي : كان سليم بن عنز قاضى مصر من قبل معاوية بن أبي سفيان ؛ فاختصم إليه في ميراث ، فقضى بين الورثة ولكنهم تناكروا ورجعوا إليه ، فقضى بينهم وكتب كتابا بقضائه وأشهد فيه شيوخ الجند ، فكان بذلك أول قاض في العهد الأموي سجل أحكامه .

--> ( 1 ) كتاب القضاة ص 423 - 424 .