حسن ابراهيم حسن
449
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
تقلص نفوذ أهل الذمة والمسلمين من غير العرب بعد أن انتقلت مناصب هؤلاء إلى أيدي المسلمين من العرب وقام الحجاج بن يوسف بتنفيذ سياسة عبد الملك . ولما فتح المسلمون بلاد الفرس والروم واتسع ملكهم وعظمت دولتهم ، اقتدوا بالأكاسرة والقياصرة ، فاتخذوا الطراز عن الروم . لكنهم لم يستحسنوا اتخاذ الصور لتحريمها في الإسلام ، بل استعاضوا عنها بكتابة أسمائهم وعبارات أخرى تجرى مجرى الفأل والدعاء . وظلوا على ذلك إلى أيام عبد الملك ، فنقله إلى العربية وبدأ بالقراطيس ( ورق البردى ) ، وكانت تنسج بمصر وتنقش عليها عبارات مسيحية . وقد أمر عبد الملك بترجمة هذه العبارات إلى العربية . ولما عرف معناها قال : ما أغلظ هذا في أمر الدين والإسلام ، وكتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان عامله على مصر ، بإبطال هذا الطراز واستبدال تلك العبارات بإحدى الشهادتين ( لا إله إلا اللّه ) ، ففعل . وظل هذا الطراز في سائر بلاد الدولة الإسلامية ولم يغير من جوهره شئ . كما كتب عبد الملك إلى عماله بإبطال القراطيس المطرزة بطراز الروم وإنزال العقاب بمن يخالف ذلك . وقد بنى الخلفاء في قصورهم دوارا لنسيج أثوابهم ، فكان يشرف عليها « صاحب الطراز » ؛ فينظر في أمور الصياغ والحاكة ، ويجرى عليهم الأرزاق ويتفقد أعمالهم . وقد بلغت هذه الدور أوج عظمتها في عهد الدولتين الأموية والعباسية . ولما حملت هذه القراطيس إلى بلاد الروم وعلم بها الإمبراطور أنكر ما فيها ، واستشاط غيظا ، فكتب إلى عبد الملك : إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم ولم يزل يطرز بطرازهم . فإن كان ما تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت ، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا ، فاختر إحدى الحالتين ويعث إليه بهدية يسترضيه بها للرجوع إلى الطراز ، فرد عبد الملك هديته وأخبر الرسول بأنه لارد عنده ، فأعاد إليها أضعافها وطلب الجواب . فلما لم يرد عليه غضب الإمبراطور وبعث يهدده بنقش سب النبي على النقود ، لذلك عول عبد الملك على ضرب العملة الإسلامية . وكان إصلاح العملة من أهم الأعمال التي قام بها عبد الملك ، وهي تدل على