حسن ابراهيم حسن
444
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
( ا ) الدواوين : كان المسلمون يحاربون ابتغاء مرضاة اللّه لا يريدون على ذلك مالا ولا جزاء إلا من عند اللّه . وقد بذل بعضهم كثيرا من ماله في وجوه البر والإحسان . ولم يفرض لهم النبي ولا أبو بكر عطاء مقررا ، ولكن جرت العادة أنهم إذا غزوا بلدا من البلاد أخذوا نصيبهم من الغنائم بحسب ما قررته الشريعة . وإذا ورد إلى المدينة شئ قسمه النبي عليهم في المسجد ، وجرى الأمر على ذلك حتى كانت سنة 15 ه . ولما توالت الفتوح الإسلامية وأثرت الدولة العربية بما ملكته من كنوز الفرس ، رأى عمر توزيع هذه الأموال على المسلمين مراعيا في ذلك مراتبهم ومبلغ استحقاقهم ، ولكنه لم يعرف كيف يؤدى هذا العمل على أتم الوجوه ، فأشار عليه أحد مرازبة الفرس بإدخال نظام الدواوين الذي سار عليه الفرس لضبط دخل الدولة وخراجها . والديوان كلمة فارسية معناها سجل أو دفتر « 1 » ، وأطلق اسم الديوان من باب المجاز على المكان الذي يحفظ فيه الديوان . يقول الماوردي « 2 » : « والديوان موضوع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال » . ويقول الجهشياوى « 3 » عن سبب تدوين عمر الدواوين : « كان عمر أول من دون الدواوين من العرب في الإسلام ، وكان السبب في ذلك أن أبا هريرة قدم عليه من البحرين ومعه مال ، فلقى عمر فقال له عمر : ماذا جئت به ؟ قال : خمسمائة ألف درهم ، فقال عمر : أتدري ما تقول ؟ قال : نعم مائة ألف درهم ومائة ألف درهم ومائة ألف درهم ومائة ألف درهم ، ومائة ألف درهم ، فقال عمر : أطيب هو ؟ ( يريد أحلال هو ؟ ) قال : لا أدرى ، فصعد عمر المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! قد جاءنا مال كثير ، فإن شئتم كلناه كيلا ، وإن شئتم أن نعده عدا . فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديوانا لهم قال : دونوا الدواوين » .
--> ( 1 ) ذكر ابن خلدون ( مقدمة ص 211 ) أن أصل هذه التسمية أن كسرى نظريوما إلى كتاب ديوانه وهم يحبسون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال « ديوانه » أي مجانين بلغة الفرس ، فسمى موضعهم بذلك ، وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان ، ثم نقل هذا الاسم إلى كتاب هذه الأعمال المتضمن للقوانين والحسبانات . ( 2 ) الأحكام السلطانية ص 191 . ( 3 ) الوزراء والكتاب ص 16 - 17 .