حسن ابراهيم حسن
435
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وأقاموا الحجج ، ورجحت حجة على حجة . لذلك لا نستطيع أن نوافق الذين يطعنون في هذا الانتخاب . وإن حرص الصحابة وكراهتهم أن يظلوا يوما أو بعض يوم من غير أن يكون لهم إمام يجمع كلمتهم هو الذي حملهم على المبادرة إلى الاجتماع في سقيفتهم . وكذلك كان حرص عمر في مبادرته إلى بيعة أبى بكر ، فقد أثر عنه أنه قال : « إنه بلغني أن قائلا منكم يقول : لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا . فلا يغرن امرأ أن يقول إن بيعة أبى بكر كانت فلتة ؛ فقد كانت كذلك ، غير أن اللّه وقى شرها ، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبى بكر » ويظهر أن الذين عابوا هذا الانتخاب ، وخاصة المحدثين من المؤرخين ، أرادوا أن يقيسوا ما حدث منذ ألف وثلاثمائة وثلاث وسبعين سنة بما يحدث الآن وهو قياس مع الفارق . ونلاحظ في اختيار عمر أمرين خطيرين : أولهما أن أبا بكر علق خلافة عمر على رضا الناس ، وثانيهما أن أبا بكر لم ينتخب أحدا من أبنائه أو أقربائه بل انتخب شخصا أجمع الناس على احترامه . وكانت بيعة عمر صحيحة ، وإذا قيل إنه ليس فيها ضمان لاختيار من يحبه الناس غالبا ويكون قادرا على حمايتهم ، وأنها أشبه بولاية العهد أو التعيين ، فإن أبا بكر لم يستبد برأيه ولم يرغم جماعة المسلمين على قبول خلافة عمر ، بل إنه استشار الصحابة فأثنوا على عمر ووافقوا على اختياره . على أن هذه الطريقة لا تخلو من العيوب ، إذ قد يخطئ الخليفة أو يحسن الظن بمن لا يحقق ظنه . فليس كل خليفة كأبي بكر ولا كل ولى عهد كعمر ، ولا يستطيع أحد أن يطمئن إلى حسن نتيجة مثل هذه الطريقة لما فيها من احتمال الخطأ في الاختيار على الأقل . وقد زعم الأمويون والعباسيون وغيرهم أن هذه السنة التي سنها أبو بكر ، والتي كان قوامها الشورى وعدم التوريث تعطى الخليفة الحق في انتخاب من يخلفه بغير قيد ولا شرط . أما بيعة عثمان فهي أقرب إلى الشورى من بيعة عمر ، إذ قد تعدد المرشحون للخلافة . وكان للمجتمعين بمسجد المدينة من الصحابة وغيرهم أثر كبير في توجيه هذا الانتخاب وعصر الخلافة في واحد من اثنين هما عثمان وعلى . وقد تكون