حسن ابراهيم حسن
423
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ذلك أصلا . وهذا فن كانت اليونان وأوائل الحكماء وأساطين الحكمة ينفردون به . وأول من خاض فيه من العرب علي عليه السلام . ولهذا تجد المباحث الدقيقة في التوحيد والعدل مبثوثة عنه في فرش كلامه وخطبه . ولا تجد في كلام أحد من الصحابة والتابعين كلمة واحدة من ذلك ، ولا يتصورونه ، ولو فهموه لم يفهموه ؛ وأنى للعرب ذلك . ولهذا انتسب المتكلمون الذين لججوا في بحار المقولات إليه خاصة دون غيره ، وسموه أستاذهم ورئيسهم ، واجتذبته كل فرقة من الفرق إلى نفسها . ألا ترى أن أصحابنا ينتمون إلى واصل بن عطاء ، وواصل تلميذ أبى هاشم بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه محمد ، ومحمد تلميذ أبيه علي عليه السلام » ؟ . كذلك ذكر المعتزلة الإمام عليا في الطبقة الأولى من طبقاتهم . كما ذكروا قصة الشيخ الذي سأله عند انصرافه من صفين ، أكان المسير بقضاء اللّه وقدره ؟ فقال عليه السلام : والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما هبطنا واديا ولا علونا تلعة « 1 » إلا بقضاء وقدر . فقال الشيخ : عند اللّه احتسب عنائي ، مالي من الأجر شئ ، فقال : بل أيها الشيخ عظم اللّه لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي منقلبكم وأنتم منقلبون ، ولم تكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين ، فقال الشيخ : كيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كان مسيرنا ؟ فقال عليه السلام : لعلك تظن قضاء واجبا وقدرا حتما ، ولو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد ، ولما كانت تأتى من اللّه لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن ، ولا كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسئ ، ولا المسئ بعقوبة المذنب أولى من المحسن : تلك مقالة إخوان الشياطين ، وعبدة الأوثان ، وخصماء للرحمن وشهود الزور ، وأهل العماء عن الصواب في الأمور ، هم قدرية هذه الأمة ومجوسها . إن اللّه تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيرا ، ولم يكلف جبرا ولا بعث الأنبياء عبثا . ذلك ظن الذين كفروا ، فويل للكافرين من النار ، فقال الشيخ : وما ذلك القضاء والقدر اللذان ساقانا ؟ فقال : أمر اللّه بذلك وإرادته ثم تلا ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
--> ( 1 ) التلعة والتلاع أرض مرتفعة .