حسن ابراهيم حسن

385

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

ولما رأى الحجاج ضعف أهل الكوفة عن مقاومة الخوارج وتثاقل أهل العراق عن حربهم ، سأل عبد الملك أن يمده بجيش من أهل الشام ، فبعث إليه ستة آلاف حمل عليهم شبيب أكثر من ثلاثين حملة ، فصمدا حتى اضطروا الخوارج إلى عبور جسر على نهر دجيل . فهوت بشبيب رجل فرسه فعرق في النهر ، فحمل أهل الشام على أصحابه وأفنوهم عن آخرهم « 1 » ، واستراح الحجاج من خطر الخوارج ، وطويت بموت شبيب صفحات من صفحات الفروسية النادرة . ويمتاز هذا العصر بكثرة الحروب التي أضرم نارها الخوارج ، وأظهروا فيها شجاعة نادرة وبسالة ممتازة ولا سيما منذ فارق بعضهم عبد اللّه بن الزبير بمكة ؛ وأغار بعضهم - كالأزارقة والنجدية والصفرية - على بلاد الدولة الأموية في عهد عبد الملك بن مروان الذي يرجع إليه الفضل في إضعاف قوتهم وفل شوكتهم . ولو أنهم تعاونوا وكانوا يدا واحدة لكان لهم شأن غير هذا الشأن . ( د ) الخوارج في عهد عمر بن عبد العزيز : لم يحرك الخوارج ساكنا في عهد الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان ؛ فلما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة خرج رجل من بنى يشكر من الخوارج يدعى شوذب . ولكن عمر ، بما جبل عليه من الأخلاق الكريمة وما اشتهر عنه من حبه السلم وجمع الكلمة ، لم يشأ أن يأخذ الخوارج بالشدة والقسوة ، بل أراد أن يعاملهم باللين ويقارعهم بالحجة ، فأرسل إلى شوذب كتابا يقول فيه : « بلغني أنك خرجت غضبا للّه ولنبيه ، ولست أولى بذلك منى . فهلم أناظرك ، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس ، وإن كان في يدك نظرنا في أمرنا » . فكتب شوذب إلى عمر : « لقد أنصفت ، وقد أرسلت إليك رجلين بدار سانك ويناظرانك » . وكان عمر بن العزيز يرمى بهذا العمل إلى إزالة الحلف بين الفريقين عن طريق الإقناع بالحجة والبرهان . ولم ير ، بما عرف عنه من كراهة لإراقة دماء المسلمين ، إلا أن يسلك معهم سبل اللين . وقد أثمرت سياسة عمر ، فشهد أحد ( 25 - تاريخ الإسلام ، ج 1 )

--> ( 1 ) أنظر كتاب السيادة العربية ترجمة المؤلف ص 96 .