حسن ابراهيم حسن
354
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وهو لا يزال في مهده ، فلم يكن بد إذا من أن يقضى أبو بكر على هذه الثورة حتى لا تتصدع أركان الوحدة العربية وتتفرق كلمة المسلمين . وأما من دخلوا الإسلام عن اقتناع بصحته وإدراك لسمو مبادنه ، فإنه لم يرتد منهم أحد . وقد أجمع المؤرخون على أن أهل مكة والمدينة والطائف ثبتوا على إسلامهم ، ولم تؤثر فيهم تلك العاصفة التي عصفت بشبه جزيرة العرب على أثر وفاة الرسول . 2 - الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان كان عثمان في السبعين من عمره حين آلت الخلافة إليه . وكان سهلا لينا ؛ فلم يكن له حزم أبى بكر وعمر ، تلك الصفة التي كان لابد منها لإدارة دولة مترامية الأطراف كالدولة الإسلامية في ذلك العهد ، وخاصة في دور انتقال العرب من معيشة البساطة والزهد إلى معيشة الغنى والاستمتاع بالأموال المتدفقة من البلاد المفتوحة . ولقد اغتبط المسلمون بخلافة عثمان لما وجدوا فيه من لين وتيسير بعد شدة عمر وتضييقه . فقد سمح لكبار الصحابة بالخروج إلى الأقاليم وامتلاك الضياع فيها « 1 » ، وترك للأغنياء أمر الزكاة يدفعونها كما يشامون . كما بدأت الثروات تدفقت على المدينة ومكة تفعل فعلها في نفوس العرب فتغريهم بالاستمتاع بها التي
--> ( 1 ) قال الطبري ( ج 5 ص 134 ) : « كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج إلى البلدان إلا بإذن وأجل . فشكوه فبلغه فقام وقال : ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير ، يبدأ فيكون جذعا ، ثم ثنيا ، ثم رباعيا ، ثم سديسا ثم نازلا ( الجزع من الإبل ما كان في السنة الخامسة ، والثنى ما كان في السادسة ، والرباعي ( منقوص على وزن ثماني ) من الإبل ما كان في السابعة ، والسديس ما كان في الثامنة ، والبازل ما كان في التاسعة ) ، ألا فهل ينتظر بالباذل إلا النقصان ؟ ألا فإن الإسلام قد بزل ألا وأن قريشا يريدون أن يتخذوا مال اللّه معونات دون عباده . ألا فأما وابن الخطاب حيى فلا ، إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار . فلما ولى عثمان الخلافة لم يأخذهم بالذي كان يأخذهم به عمر ؛ فانساحوا في البلاد ، فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس ، انقطع من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام ، فكان مغموما في الناس وصاروا أوزاعا إليهم وأملوهم وتقدموا في ذلك : فقالوا يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقريب والانقطاع إليهم ، فكان ذلك أول وهن على الإسلام وأول فتنة كانت في العامة ليس إلا ذلك » .