حسن ابراهيم حسن

345

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

التي ينتمى إليها الخليفة ، ويغض من شأن غيرها من القبائل فيميل ميزان العدل بين الناس . ويفسر لنا هذا تسابق القبائل والبطون عند وفاة الرسول على أن يكون الأمر لها دون غيرها ، فتكشف ما في الصدور وتجلت النفس العربية والطبيعة القبلية إذ ذاك : فالأنصار يخافون قريشا والمهاجرون إن استأثروا بالأمر دونهم وهم جميعا فيما بينهم يتوجسون ، وتخشى كل من الأوس والخزرج صاحبتها . ولم يكن الحال في مكة بأقل منه في المدينة . فقد دب التنافس في هذا الأمر بين بطون قريش . فلما تم الأمر لأبى بكر ، وجد عليه بنو هاشم وامتنع على عن بيعته أشهرا ، وسعى أبو سفيان بن حرب في إيغار صدر على على أبى بكر ونعت عليا والعباس « الأذلين والمستضعفين » « 1 » . ولئن كان للمهاجرين من بني هاشم وغيرهم ، وللأنصار أوسهم وخزرجهم من القرابة لرسول اللّه أو الفضل والسبق في الإسلام ، أو النصر والإيواء لدين اللّه والذود عنه - لئن كان لهؤلاء وأولئك سبب من هذه الأسباب يتذرعون به ويطمعون من أجلة في الخلافة ، فإن القبائل العربية الأخرى لم تجد لنفسها من السابقة في الإسلام ولا من القرابة للرسول ما تعتز به . وقد رأت هذه القبائل المهاجرين والأنصار يتنازعون هذا الأمر فيما بينهم ، فيقول المهاجرون : « منا الأمراء ومنكم الوزراء » ، ويقول الأنصار : « بل منا أمير ومنكم أمير » . فبئست هذه القبائل وضاع أملها في الخلافة ، فأعلنت العصيان ورفض أكثرهم أن يخضعوا لسلطان أبى بكر وامتنعوا عن أداء الزكاة التي ظنوها إتاوة . ولا غرو فقد كان بعضهم يعتقد أنه لن تقوم لقريش قائمة بعد موت زعيمهم ، ولأنهم كرهوا سيادة قريش الذين ظنوا أنها قد سلبتهم حريتهم وأدخلتهم تحت سلطانها بحكم الدين « 2 » وما زال دبيب العصيان ينمو في النفوس ، والتمرد على الحكومة القرشية ينتشر بين القبائل ، حتى كاد يتزعزع مركز الإسلام وانكمشت أطرافه إلى مكة والمدينة والطائف وبنى عبد القيس .

--> ( 1 ) الطبري ج 3 ص 202 . ( 2 ) انظر تاريخ عمرو بن العاص للمؤلف 36 - 37 .