حسن ابراهيم حسن
249
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
من حقي شيئا ؟ قال عمر : لا ! قال الرجل : فما يفرح بالحب بعد هذا إلا النساء . ولقد بلغ من زهد عمر أن أصاب أرضا بخيبر ، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : أصبت أرضا بخير لم أصب ما لا قط أنفس عندي منه ، فما تأمر به ؟ وأجاب رسول اللّه : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها . فتصدق عمر بها على الفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل اللّه والضيف ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول فيها . وقال إنه لا يباع أصلها ولا توهب ولا يورث . فكانت هذه أول صدقة تصدق بها في الإسلام ، وكانت الأصل الأول لنظام الوقف عند المسلمين « 1 » . وكان عمر متواضعا برغم هذه الشدة التي عرفت عنه . ذكر هشام الكلبي أن عمر كان يحمل ديوان أعطيات خزاعة حتى ينزل قديدا ، فتأتيه خزاعة في قديد فلا تغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب فيعطيهن في أيديهن ، ثم يروح فينزل عسفان فيفعل مثل ذلك أيضا حتى توفى . وقد ظهر تواضع عمر في ملبسه ومظهره عند ذهابه إلى الشام ، وعند مقابلته الهرمزان قائد الفرس الذي قصد إليه في المدينة ، وما كاد يعرفه لبساطة ملبسة وعدم اعتداده بنفسه . وكان عمر مع تواضعه يأخذ منه الغضب كل مأخذ على من يجترىء على سلطان اللّه . أتى عمر يوما بمال فجعل يقسمه بين الناس ، فازدحموا عليه ، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه ، فعلاه عمر بالدرة وقال : إنك أقبلت لا تهاب سلطان اللّه في الأرض فأحببت أن أعلمك أن سلطان اللّه لن يهابك ( الطبري 5 : 23 - 24 ) . وكان رضى اللّه عنه عالما بالقرآن وتأويله مجتهدا في دين اللّه ذا رأى وفتيا . روى النووي عن ابن عمر أنه سئل : من كان يفتى الناس في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر وعمر ، ما أعلم غيرهما « 2 » . وكان عمر أكثر الصحابة شجاعة وجرأة . فكثيرا ما كان يسأل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن التصرفات التي يدرك حكمتها ، كما سأله في يوم الحديبية
--> ( 1 ) البيضاوي : كتاب الحديث 24 : 19 باب الهبة ، ص 321 - 332 . ( 2 ) النووي : تهذيب الأسماء واللغات ج 2 ص 190 .