حسن ابراهيم حسن

240

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

الاضطهاد عنهم وعدم تحميلهم ما لا يطيقون ، وبهذه الطريقة أتيح لعمرو تنفيذ أوامره على أهون سبيل . وكان عمرو يضع مصلحة المصريين نصب عينيه ، ولم يأل جهدا في اكتساب محبتهم ، فدانوا له بالطاعة وأحبوا ولايته . وقد أطلق العرب الحرية الدينية للقبط . يؤيد ذلك ما فعله عمرو بعد استيلائه على حصن بالميون ، إذ كتب بيده عهدا للقبط بحماية كنيستهم ولعن كل من يجرؤ من المسلمين على إخراجهم منها ، وكتب أمانا للبطريق بنيامين ، ورده إلى كرسيه بعد أن تغيب عنه زهاء ثلاث عشرة سنة . وأمر عمرو باستقبال بنيامين عندما قدم الإسكندرية أحسن استقبال ، وألقى على مسامعه خطابا بليغا ضمنه الاقتراحات التي رآها ضرورية لحفظ كيان الكنيسة ، فتقبلها عمرو ومنحه السلطة التامة على القبط والسلطان المطلق لإدارة شؤون الكنيسة ؛ وقد لاحظ « بطلر » أن عودة بنيامين إلى عرش الكنيسة كفاها شر الوقوع في أزمة خطيرة . وإن الخطبة البليغة التي ألقاها باسيلى أسقف نقيوس بدير مقاريوس ، لخير شاهد على أن القبط أصبحوا بعد الفتح الإسلامي في غبطة وسرور لتخلصهم من عسف الروم : يدل على ذلك رد بنيامين على باسيلى بقوله : « لقد وجدت في مدينة الإسكندرية زمن النجاة والطمأنينة اللتين كنت أنشدهما بعد الاضطهادات والمظالم التي قام بتمثيلها الظلمة المارقون » . فمن هذه الكلمات التي فاه بها البطريق يتجلى مبلغ الطمأنينة التي شعر بها المصريون في عهد عمرو . ومما يؤيد هذا القول وصف « ساويرس » القوم بأنهم كانوا في اليوم الذي زار فيه دير مقاريوس كالثيرة إذا أطلقت من قيودها . ومما يدل أيضا على حسن سياسة العرب في مصر ، أنهم لم يفرقوا بين الملكانية واليعاقبة من المصريين ، الذين كانوا متساوين أمام القانون ، والذين أظلهم العرب بعدلهم وحموهم بحسن تدبيرهم . يقول سير توماس أرنولد « 1 » : « يزجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شئ إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطى ، لما عرف به من الإدارة الظالمة

--> ( 1 ) الدعوة إلى الإسلام ، ترجمة المؤلف ص 123 .