حسن ابراهيم حسن

173

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

فلما هاجر الرسول إلى المدينة أخذ يفصل ما أجمل في العهد المكي من أمور العبادة ومبادئ الأخلاق ، كما وضع النظريات العامة ، وشرع للمسلمين نظم المعاملات كالبيع والشراء والزواج والطلاق ، وحرم المنكرات كالخمر والزنا والميسر ، وقرر الحدود والقصاص . وصفوة القول أن الرسول أخذ ينظم أمر تلك الجماعة الصغيرة الناشئة التي حاطه أفرادها بقلوبهم وأرواحهم ، ويشرع لها نظما لمعاملاتها . وهو في ذلك كله لا يألو جهدا ولا يدخر وسعا في بث الدعوة وتبليغ الرسالة . وكان القرآن في ذلك كله ساعده الذي لا يخذله ومدد اللّه إليه الذي لا يتأخر عنه عند الحاجة ، فيه ناقش المشركين في مكة أمهات مسائل الدين وقضاياه الكلية ، وسفه آلههم وعاب نظامهم الاجتماعي . كذلك كان القرآن رائد الرسول في المدينة حين كان يناقش اليهود الذين استعانت بهم قريش في الغض من دعوته ، والذين استكثروا على العرب الأميين أن يبعث اللّه فيهم رسولا منهم ، وهم شعب اللّه المختار وأبناء اللّه وأحباؤه ؛ كما كان مرجعه الوحيد حين كان يحاسب هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب على ما غيروا وبدلوا في دينهم وكتبهم . ( ب ) تحويل القبلة : وبينما كان الرسول يعمل على نشر الدعوة في خارج المدينة كان يفكر في أمر القبلة ، ويقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي من عند اللّه ، لأنه كان في مكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس في صلاته « 1 » ، وظل الرسول يصلى قبل بيت المقدس إلى شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة ، حين أمره اللّه سبحانه وتعالى بالتحول إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس . وكان الكعبة بيت إبراهيم ، ومعقد فخار العرب واحترام قبائلهم جميعا . وقد اتخذ اليهود من اتجاه الرسول إلى بيت المقدس في صلاته ذريعة لمجادلته بما يعلمون وما يعلمون ، كما حاولوا فتنة المسلمين ليوقعوا بينهم ، وصار بعضهم يقول : نحن علمنا محمدا قبلته ولو لأنا مادرى إلى أين يتجه « 2 » : وتعجب بعض

--> ( 1 ) تفسير الطبري ، الفخر الرازي ، سورة البقرة 2 : 142 . ( 2 ) ابن هشام ج 2 ص 176 .