حسن ابراهيم حسن
164
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
إذا علمنا - اعتمادا على المصادر التاريخية التي بأيدينا - أن هرقل كانت تحيط به في ذلك الوقت أخطار خارجية ، فإنه وإن كان قد انتصر على الآفار والصقالبة واسترد بلاد سورية ومصر ، وغزا بلاد الجزيرة وانتصر على الفرس في موقعة تينوى سنة 627 م ، ودخل بجيوشه إلى قلب الدولة الفارسية وهدد حاضرتها المدائن ( 628 م ) - فقد كانت جيوش خسرو ، كسرى فارس في ذلك الوقت ، تتقدم في آسيا الصغرى وتهاجم البسفور حتى كادت القسطنطينية تقع في أيديهم . كما تصف لنا بعض الروايات حال هرقل وما كان يساوره من الأفكار إذ ذاك ، والمخاوف التي كانت تجول بخاطره فترغبه في اعتناق الإسلام ، وأنه كان لا يريد الدخول في حرب مع عدو جديد بعد أن فرغ من حروبه مع الدولة الفارسية ، إذ كان يتوقع خطرا جديدا سوف يدهمه من ناحية هذه الدولة العربية الناشئة . ومما يدل على أن هرقل كان يصدر في ذلك الأمر عن بواعث سياسية أكثر منها دينية ، أنه جمع الجيوش الجرارة لحرب هؤلاء العرب في الشام وفلسطين ومصر ، وغضب على المقوقس واستدعاه إلى القسطنطينية حين علم أنه دخل في صلح مع العرب ، ثم نفاه وأرسل إلى قواد الروم بمصر يوبخهم ويحثهم على مواصلة قتال العرب ، وظل كذلك إلى أن مات والعرب يحاصرون حصن بابليون سنة 641 م « 1 » . وقد يكون من الأسباب التي حملت مؤرخي العرب على الاعتقاد بأن هرقل كان يميل إلى اعتناق الإسلام ، ما ذكره الطبري « 2 » من « أنه قد أجاز دحية الكلبي ( سفير الرسول إليه ) بمال وكساه كسى » ، وأن ناسا من جذام بأرض حسمى « 3 » قطعوا عليه الطريق ولم يتركوا معه شيئا فجاء إلى
--> ( 1 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر ج 2 ص 64 - 66 . ( 2 ) ج 3 ص 87 . ( 3 ) أرض مبادية الشام بينها وبين وادى القرى ليلتان . وأهل تبوك يرون جبل حسمى في غربيهم . قال المتنبي : حسمى أرض طيبة تنبت جميع النبات مملوءة جبالا في كبد السماء متناوحة ملس الجواب ، إذا أراد الناظر النظر إلى قلة أحدها قتل عنقه حتى يراها بشدة . ومنها مالا يقدر أحد أن يراه ولا يصعده ولا يكاد القتام يفارقها . والقتام دخان أسود لا يزال -