حسن ابراهيم حسن
117
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
بالرسول ما عزم عليه المشركون حفر الخندق ، وعمل بنفسه فيه « ترغيبا للمسلمين في الأجر ، وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ودأبوا . وعمل المسلمون حتى أحكموه : وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له « جعيل » فسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرا ، فقالوا : سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا فإذا مروا بعمرو قال رسول اللّه « عمرا » وإذا مروا بظهر قال رسول اللّه « ظهرا » « 1 » . كان الخندق شمالي المدينة ، لأن الجهات الأخرى كانت محصنة بالجبال والنخيل والبيوت . واختلف المؤرخون في مكان الخندق وطوله . ويظهر أنهم خطوه من الحرة الشرقية إلى الشمال فالغرب ثم إلى الجنوب قليلا . وإذا صحت الرواية القائلة بأن الرسول وكل إلى كل عشرة من المسلمين أن يحفروا قطعة من الخندق طولها أربعون ذراعا ، فأننا نستطيع أن نستنتج أن طول هذا الخندق بلغ إثنى عشر ألف ذراع على الأقل . هذا إذا فرضنا أنه لم يعمل في حفره إلا رجال الجيش الذين اتفقت الروايات على أنهم كانوا ثلاثة آلاف . فرغ المسلمون من حفر الخندق قبل وصول قريش على الرغم من تسلل المنافقون وهربهم في أثناء العمل دون إذن الرسول . وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد له منها ، يذكر لرسول اللّه ويستأذن في اللحوق لحاجته فيأذن له . فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له . فأنزل اللّه تعالى في أولئك النفر من المؤمنين إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( سورة النور 24 : 62 ) . ثم قال تعالى : في المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً ،
--> ( 1 ) ابن هشام ج 3 ص 230 - 232 .