حسن ابراهيم حسن

93

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وكانت هناك صلات وثيقة بين هؤلاء اليهود في يثرب وبين من جاورهم من الأوس والخزرج ، حتى إنهم ألفوا أفكار اليهود الدينية ومرنوا على استساغة الكثير منها . وفي الحق أنه كان لوجود أديان سماوية في يثرب ، لها كتب منزلة من عند اللّه ، كاليهودية فيها ذكر للوحي ووحدانية اللّه ، ثم عظمته وقدرته الشاملة ، والبعث والحساب وما بعدهما من جنة ونار وغير ذلك - كان لهذا كله من الأثر ما أضعف الوثنية في نفوس العرب النازلين بيثرب وجعلهم أقدر على فهم دعوى نبوة محمد من أهل مكة الوثنيين . فقد كانت مثل هذه الفكرة غريبة عليهم كل الغرابة مبغضة إلى نفوس القرشيين منهم خاصة « 1 » . وقد عرف أهل يثرب عندما رأوا محمدا وتعاليمه مبلغ الشبه بينه وبين من توعدهم به اليهود ، فبادروا إلى تصديقه حتى لا يسبقهم هؤلاء اليهود إلى اتباعه ، فيقتلوهم قتل عاد وإرم « 2 » . لهذا لا نعجب إذا رأينا أهل يثرب أكثر تحمسا للإسلام . ولعل حالة المجتمع في يثرب كانت تدعو إلى انتهاز مثل هذه الفرصة ، إذ وجد أهلها في هذا الدين ما يوحد كلمتهم ويجمع شملهم ويقضى على ما بينهم من تنازع وبغضاء . كما وجدوا في شخصية الرسول بغيتهم المنشودة ، إذ عرفوه رجلا من أكرم بيوتات قريش وساداتها ، ثم هو ابن آمنة من بنى النجار أحد بطون الخزرج . ومع ذلك فهو نبي يستطيعون أن يطاولوا اليهود بما ينزل عليه من وحى . فهو الذي يستطيع أن يجمع الأوس والخزرج تحت لوائه ، وكانوا أحوج إلى ذلك بعد يوم بعاث الذي كان النصر فيه للأوس . ولعل انهزام الخزرج

--> ( 1 ) أرنولد : الدعوة إلى الإسلام ، ترجمه ص 42 . ( 2 ) ذكر ابن هشام ( ج 2 ص 38 ) عن رجال من الأنصار قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة اللّه وهداه لما كنا نسمع من رجال يهود : كنا أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا . وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا : إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم . فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم . فلما بعث اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم أجبناه حتى دعانا إلى اللّه وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به ، فبادرناهم إليه فآمنا به . ففينا وفيهم نزلت الآيات « وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » سورة البقرة 2 : 89 ) .