علي بن يوسف القفطي
72
أساس السياسة
فلما صار خارج الباب استسقى الجارية ماء . فأتته بكوز « 1 » فشرب ثم ألقاه فكسره . وجلس يبكي وينتحب . وصادف ذلك مجيء زوجها من دكّانه ، فلما رآه على تلك الصورة سأله عن قصته واستخبره عن شأنه . فقال له - والجارية تسمع ، والسيدة أيضا بمرأى منهما ومسمع - : إنّي كنت من دار الملك منصرفا ، وقد خلع عليّ خلعة كساني بها فخرا وشرفا . فأدركني عند وصولي إلى هذا الموضع عطش شديد لشدّة هذا القيظ ، فاستسقيت من هذه الدار ماء ، فأخرج إليّ كوز . فلما تناولته سقط من يدي فانكسر . فكاد أهلها يتميزون من الغيظ . ثم إنهم سحبوني إلى بابهم وأوجعوني ضربا . ونزعوا عني خلعة الملك ظلما وغصبا . فقالت له الجارية : يا خبيث ! أهكذا كان الحديث ؟ ! فقال : أما أنا فقد حدّثته على قدر عقلي الناقص الحائر . فحدّثيه أنت بعقلك الكامل الوافر . فأنكر الزوج على امرأته فعلها . وردّ عليه دوّاجه فانصرف . وقد تمّت حيلة مثله على مثلها « 2 » . قال لها الملك : لقد أحسن هذا المجنون في تلطّفه . وأجاد في
--> ( 1 ) الكوز : إناء من الفخار يشبه الإبريق ، إلّا أنه من دون البلبلة أي القناة الصغيرة التي يصبّ منها الماء . وهو شائع الاستعمال في العديد من الأقطار العربية ، وفي العراق توجد عدة أسر تحمل لقب الكواز نسبة إلى صناعة الفخار . ( 2 ) ترد هذه القصة في العديد من كتب التراث العربي منسوبة إلى مجانين وغيرهم ، وقد وردت منسوبة إلى بهلول بن عمرو وحمدونة المغنية ( تحفة العروس ، 445 ) . وانظر حكاية مشابهة على لسان الفرزدق في أخبار الأذكياء لابن الجوزي ، 112 .