دكتور عبد العزيز الدوري
99
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ونشعر بازدياد الترف في المجتمع وتوسعه في المأكل والملبس وفي بناء الدور الفخمة وتزيينها وزخرفتها . ونرى أنفسنا أمام طبقة متوسطة جديدة تتخذ أهمية اجتماعية غير مسبوقة ، بل نرى أيضا الحسن يبرر هذا التطور ويقول : « فعرفنا أنّ من ترخص الإصابة من المنعم فليس لأحد أن يؤثمه في ذلك » . ونحن نرى في كتابات الشيباني صورة للتطور الاقتصادي الاجتماعي . نراه في إقبال العرب على زراعة الأرض ، وهو تطور ينافي القيم القبلية الموروثة . ونراه في النشاط التجاري الذي أدّى إلى ظهور طبقة متوسطة جديدة . ونرى أهميته المتزايدة التي استدعت اهتمام الفقهاء فأدركوا قيمته وحاولوا وضع أسس ومقاييس فقهية تحدّ من تطرفه أحيانا ، ولكن المهم أنها تكسبه صفة مشروعة في وجه قيم اجتماعية لم تعد تلائم الفترة الجديدة . ولعل أقوى مثل لأثر النشاط التجاري ، إقرار بيع « العينة » الذي يخفف من أثر منع الربا في نشاط المعاملات التجارية . ويتمثل التطور الاجتماعي بوضوح في نمو المدن . فقد توسعت المدن كثيرا في هذه الفترة وظهرت طبقة « العامة » وأخذت تلعب دورا في حياتها . وتتألف العامة من أهل الحرف والصناع ومن صغار الباعة ومن جماعات تركت الريف إلى المدينة بحثا عن وسيلة للكسب . وكانوا خليطا من أجناس ومشارب مختلفة ، في مستوى ملحوظ من الأمية والجهل ، وعلى استعداد لمتابعة كل دعوة جديدة حتى صاروا عنصرا مهما في الحركات الاجتماعية في ما بعد . وإن نحن نظرنا إلى بغداد كمثل لهذه الحياة المدنية ، نلاحظ أنّ السكنى فيها كانت على أسس من المهن والنسب . فقد اقتصر مركز المدينة المدورة على قصر الخليفة ودور أولاده ودواوينه وحرسه . واقتصرت الدور بين السوريين على كبار الأتباع والقادة . أمّا أهل المدينة فبقوا خارج السور مجتمعين حسب أصولهم ( عربا ، فرسا ، خوارزميين . . . إلخ ) وحسب مهامهم . وكان لكل مهنة سوقها الخاص لا يختلط بهم غيرهم . ولكن الأساس المهني طغى بعد فترة على الأساس الأول . وتبدو أهمية الأسواق وضرورة الإشراف عليها بظهور المحتسب ( ليحل محل العامل على السوق ) يساعده أعوانه والعرفاء على الحرف . ولم تقتصر مهمته على المكاييل والموازين ونوعية الصنعة ، بل شملت الإشراف على جوّ الأسواق ، وتعدت ذلك إلى الحمّامات والمساجد ، ممّا يدل على اهتمام خاص بمراقبة فعاليات العامة . هذا ويبدو في حياة الصناع تطور ملموس . فلهم الآن طابع متميز ، ويدعون « أصحاب المهن » و « أهل الصنايع » . وأدّى تجمعهم في أسواق خاصة ، وتكاثرهم ، وتطور الحياة الاقتصادية ، إلى ظهور تماسك بينهم وإلى اعتبار المهنة رابطة أساسية ، واتخاذ النسبة إلى المهنة كالنسبة إلى المدينة والقبلية . هذا مع تنظيم داخلي يشير إلى