دكتور عبد العزيز الدوري
89
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
الواسعة ، إلى جنب فعالياتها المالية المتصلة « 1 » . أمّا ما يذكر عن منع عمر بن الخطاب امتلاك الأراضي فلا أساس له . ومرّت الفترة الأموية الأولى قبل أن أحس برغبة بعض أشراف القبائل في امتلاك الضياع . يقابل هذا جهل البدو بالأمور المالية وتبذيرهم ، فقد أسرفوا في النفقة كما انهالت عليهم الأموال ، فلما توقفت الفتوحات أفلسوا بسرعة ووجدوا العطاء والرزق ضئيلا بالنسبة إلى ما اعتادوه ، ممّا زعزع طراز معيشتهم . وهذه التطورات زادت في حدة التباين بين رجال القبائل وأهل المدن القدماء ، وأكسبته حدة ظهرت آثارها جلية في الفتنة الأولى . وأكد هذا الوضع القلق امتزاج الجانب الاقتصادي بالمشكلة السياسية . فالقبائل ترى أنّ البلاد التي فتحتها تعود إليها بحق الفتح ، وإذا كانت الأراضي لم توزع على الفاتحين ( كما قررته المدينة ) ، فإنّ وارد هذه الأراضي هو حقها الطبيعي ويجب أن يصرف عليها لا أن يرسل إلى العاصمة . وهي نظرة استمرت قوية بعد انتقال العاصمة إلى الشام . ويبدو أنّ أهل المدن لم يروا تعارضا بين اشتراكهم في الحملات العسكرية أو في الإدارة وبين متابعة التجارة بل إنهم استمروا على ذلك في مجالات أوسع ، ولنا في فعاليات الزبير وطلحة وأبي هريرة وعبد الرحمن بن عوف أمثلة على ذلك . ووضعت ضرائب التجارة بصورة تشجع المسلمين عليها وتحمي تفوقهم التجاري . فهي 5 ، 2 بالمئة على المسلمين وضعف ذلك على أهل الذمة ، و 10 بالمئة على القادمين من خارج البلاد الإسلامية . وتتضح أهمية الناحية التجارية في تخطيط المدن الجديدة كالكوفة والفسطاط ، فهذه المدن تستند إلى ثلاثة مراكز : المسجد الجامع وهو المركز الاجتماعي السياسي ، ودار الإمارة وهي المركز الإداري ، والسوق وهو المركز الاقتصادي ، وقد جعل وسط المدينة إلى جانب المسجد . - 2 - ولم يؤد مجيء الأمويين إلى الحكم إلى انقلاب في الوضع الاجتماعي والاقتصادي السائد ، بل كان نتيجة لتياراته ، وكان عصرهم استمرارا لها في الحقول كافة .
--> ( 1 ) أبو الحسن أحمد بن الزبير ، الذخائر والتحف ، حققه عن نسخة فريدة محمد حميد اللّه ؛ قدم له وراجعه صلاح الدين المنجد ، التراث العربي ؛ 1 ( الكويت : دائرة المطبوعات ، 1959 ) ، ص 202 - 203 .