دكتور عبد العزيز الدوري
55
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
قبل الفتح بما يزيد على قرنين . ولكنها كانت ضعيفة محدودة ولا هدف لها . فالإسلام وحدّ العرب ، وأعطاهم رسالة عالمية ورمى بهم إلى البلاد المجاورة لا الهلال الخصيب وحده . ولا يتمثل التيار الإسلامي في نشر الدين الإسلامي بالسيف ، بل يتمثل في نشر سيادة الإسلام ، وتخيير الناس بين قبول الدين ودفع الجزية والخضوع . فالخلاف بيننا وبين أصحاب النظرية السابقة هو في أنهم يغمرون الجوهر بالحواشي فيؤكدون ما هو ثانوي ، ويقللون من شأن الأسس كما يتضح . وإلى الاتجاه الإسلامي يعود انتصار العرب بالدرجة الأولى . فالقوة الدافعة في الدين الجديد وفتوة الشعب العربي وتحفزه واجتماع كلمته كانت سر تفوقه . أمّا الضعف الداخلي في الدولتين البيزنطية والساسانية - من انقسام ديني ، وتباين اجتماعي ، وإرهاق في الضرائب ، وإنهاك نتيجة الحروب الطويلة - فذلك عامل ساعد على سرعة تغلب العرب ولكن تأثيره سلبي ، في حين أنّ الناحية الإيجابية تتعلق بالعرب أنفسهم . وموجة التوسع العربي تمثل قوة التيار الإسلامي ، وتحويله التيار القبلي إلى تيار عربي عام ، واتحاد التيارين في وجهة إسلامية بالتوسع لصالح الإسلام ، ومجد حملة لوائه العرب . وقد بقي الإسلام والعرب متلازمين كوجهي النقد مدّة طويلة أمام الشعوب غير العربية . وبتوسع العرب خارج الجزيرة تعرّض الشعب العربي لأوضاع جديدة ولاتجاهات خطرة على كيانه ، أخطرها اتجاه امتزج فيه ردّ فعل الديانات الفارسية التي غمرها الإسلام ، ورد فعل القومية الفارسية التي محا دولتها . وكان هذا من أخطر التيارات في التاريخ الإسلامي وأبعدها أثرا كما سنرى . يضاف إلى ذلك تيار اقتصادي تولد عن تسرب الأموال إلى العرب ، وتأثير ذلك في وضعهم المعاشي وفي علاقاتهم السياسية بعد ذلك . ومع أنّ الخليفة الثاني أدرك خطر اتصال العرب في البلاد المفتوحة على كيانهم وعلى وضعهم ، وحاول أن يجمعهم في مراكز عسكرية خاصة بهم كالكوفة والبصرة والفسطاط ، ووضع نظاما يحفظ لهم جوهرهم الجديد وهو أنهم أمة فاتحة مجاهدة لا تشتغل بمهنة غير الحرب والسياسة ، إلا أنّ تنظيماته لم تنجح كليا في تحقيق ما أراد . فكان لذلك آثاره العاجلة الآجلة كما سنبين في ما بعد . أراني استرسلت في الملاحظات ، فلنرجع إلى المدينة لنرى كيف سارت التطورات فيها بتأثير التيارين الرئيسين .