دكتور عبد العزيز الدوري
53
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
الضروري توجيه القوات المقاتلة إلى مجال جديد . وأورثت حروب الردة وإخضاع الجزيرة بالقوة بعض الأحقاد على المدينة ، وبقي أثر العصبية القبلية ، وكان لا بد من معالجته . ثم إنّ الغزو جانب أساسي من الحياة البدوية ، وما دام الإسلام أوقفه في الجزيرة ، فلا بد من توجيه جديد وذلك بتحويل الإمكانيات القبلية والرغبات القبلية وجهة التوسع في قضية مشتركة . وتبدو أهمية هذا التوجيه إذا تذكرنا أنّ موارد الجزيرة تقل عن حاجة سكانها ، ويلزم إيجاد مورد عيش جديد وتحويل الغزو إلى جهاد خارج الجزيرة . وللعامل الاقتصادي أهمية تذكر . فجدب الجزيرة وروح التوثب التي نظمها الإسلام ، وغنى الهلال الخصيب كانت عوامل إغراء للمسلمين حتى في حياة الرسول . يذكر الطبري أنه بعد معركة ذات السلاسل « قام خالد خطيبا في الناس يرغبهم في بلاد العجم ويزهدهم في بلاد العرب ، وقال : ألا ترون إلى الطعام كرفع التراب ؟ وباللّه لو لم يلزمنا الجهاد في اللّه والدعاء إلى اللّه عز وجل ، ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الرديف حتى نكون أولى به ، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن أثّاقل عمّا أنتم عليه » « 10 » . ويروى أنّ جرى بين المغيرة بن شعبة ، رسول سعد بن أبي وقاص ، ورستم قائد الفرس ، الحديث التالي : سأل رستم « أنبئوني ما جاء بكم من بلادكم فإنّا لا نرى لكم عددا ولا عدة » . فقال المغيرة : « كنا قوما في شقاء وضلالة فبعث اللّه فينا نبيا فهدانا اللّه به ، ورزقنا على يديه . فكان فيما رزقنا حبة زعموا أنها تنبت في هذه الأرض . فلما أكلنا منها وأطعمنا أهلينا قالوا لا صبر لنا حتى تنزلونا هذه البلاد فنأكل هذه الحبة » « 11 » . ويذكر أنّ الأقباط استهانوا برثاثة العرب بعد فتح حصن بابليون سنة 20 ه / 641 م ، فدعا عمرو جماعة من كبارهم إلى وليمة ، فنحر جزورا وصنع لهم المرق بالماء والملح وجعل ذلك أمامهم وقد جلس القبط إلى جانب العرب . فجعل العرب ينهشون اللحم نهشا حتى بشع القبط ذلك وعادوا دون أن يأكلوا . وفي اليوم الثاني
--> ( 10 ) المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 355 . ( 11 ) يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف ، كتاب الخراج ، اعتمد في هذه الطبعة على نسخة مخطوطة في الخزانة التيمورية رقم 674 فقه مع معارضتها بطبعة بولاق سنة 1302 ه ( القاهرة : المطبعة السلفية ، 1976 ) ، ص 16 .