دكتور عبد العزيز الدوري

20

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

وثيقة بعلم الحديث وبدراسة الأنساب والأيام وبالدراسات اللغوية . ويبدو أنّ ( التاريخ ) تأثر في كتابته بالمبادئ الإسلامية وبتكوين إمبراطورية عربية وبالميول والعصبيات القبلية وبالنزعة الإقليمية ، وأنّ بداياته الأولى كانت في أوساط المعارضة للحكم الأموي في البصرة والكوفة وفي المدينة . ولنلاحظ أنه لم يجد أساسا مقبولا من النقد والتدقيق لفترة قبل الإسلام ، وأنه سار في اتجاهه بين الأسلوب القصصي الموروث من الدور الجاهلي وبين أسلوب المحدثين في الإسناد . وبمرور الزمن زادت أهمية الإسناد واتسع نطاق استعماله حتى صار أساس تدقيق الروايات والأخبار . وقد حصل نوع من تجريح الرواة وتعديلهم ، وصار التدقيق في الإسناد وفي توقيت الحوادث أهم عناصر النقد التاريخي . هذا ولم يكن للرواة والمؤرخين أن يبدوا آراءهم عادة ، بل أن يقبلوا الرواية أو يضعفوها أو يرفضوها ، وتتبين وجهة الرواي أو المؤرخ من الروايات التي ينتقيها ويوردها . ومع ذلك فإنّ من الممكن ملاحظة أثر الأحزاب والفرق في التاريخ . وربما تركزت بالدرجة الأولى حول تصوير بداوة الجاهلية بصورة الفوضى والانحطاط الخلقي والاجتماعي لإظهار عظمة الإسلام ودوره ، ثم حول مهاجمة الأمويين الذين قاومتهم الأحزاب كافة عدا المرجئة . أما في الحالات الفردية المتصلة بالخلفاء فيسهل التمييز علينا إذا ما أدركنا ميول المؤرخين ، ونزعاتهم ، ومتى ما دققنا في الروايات الكثيرة المتعارضة ولا حظنا الظروف المحيطة بها . وممّا يسهل النقد علينا أنّ كثيرا مما كتب للدعاية وضع بأشكال أسطورية لا يقف أمام النقد . ولكن عقدة واحدة تقف أمامنا هنا ، وهي اشتباك الدين بالسياسة ، وإدخال أمور لها أهميتها في فهم التاريخ في مجال العقيدة ، وهذا مما يجعل المؤرخ حذرا في معالجتها لئلا يصطدم بسلك كهربائي لا يدري ماذا سيثير . ولكن أخطر داء أفسد التاريخ الإسلامي هو داء الشعوبية الذي عصف بالحياة الفكرية في عصر التدوين . إذ إنّ الشعوبية - على قلتهم - وجهوا جهودهم إلى تشويه آثار العرب وتاريخهم ، وحتى دينهم ، ونسبوا إلى دول الفرس القديمة خاصة ما لا يقره التاريخ من مدنية وآثار . ولم يقتصروا على التاريخ بل تناولوا الأدب ، وسلكوا أحيانا طريقا بين الأدب والتاريخ . ولقد كنّا نظن أنّ الشعوبية قصروا الهجوم على العصر الجاهلي مستغلين الناحية الدينية ليظهروا عرب الجاهلية بمظهر البداوة الساذجة ، وأنهم تركوا ما بعد ذلك حرمة للإسلام ، ولكن ظهر أنهم لم يحفلوا بما للإسلام من حرمة ، ولم تسلم منهم فترة ، ولم ينج أحد . وإنّا مع خطورة هذه الناحية لم نجد من تعرض لها حتى الآن .