دكتور عبد العزيز الدوري
101
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
بنسف الإسلام . أمّا الشعوبية فهي تعبير عن الوعي القومي للشعوب الأخرى ( غير العرب ) وخاصة الفرس . وقد ظهرت بين الكتاب والشعراء والمؤرخين ، وسعت عن طريق الترجمة والتأليف لبعث التراث الإيراني وتمجيده ، وللطعن بكل ما يمت للعرب من مثل ومآثر . وقد لعب بعض الكتاب - وجلهم من الفرس - وبعض الوزراء دورا في تشجيع الترجمة عن الفارسية . وقد أراد الكتاب طبع المؤسسات العباسية بطابع إيراني وإحلال المثل والثقافة الإيرانية محل الأصول الثقافية العربية . وإذا كان عمل الكتاب يصدر عن اعتزاز بالثقافة الإيرانية ، وهو محاولة لبعثها واستهانة بالثقافة العربية ، فإنّ هجمات الشعوبية وصراعهم مع العربية هدف إلى مسخ تراث العرب وتسخيف مثلهم وقيمهم ، وهو محاولة لتشجيع روح الثورة عليهم . ويبدو لي أنّ دورهم هو الهجوم على العرب ، وبعث الوعي الإيراني على أساس من البعث الأدبي والثقافي « 8 » . وتمثل الوعي الإيراني العنيف في سلسلة من الثورات تحت راية الخرمية التي تنطوي على ثورتين : ثورة اجتماعية على الأوضاع القائمة في المجتمع الإيراني ، وثورة سياسية انفصالية ضد السلطان العربي . وقد استمرت هذه الثورات حتى نهاية العصر العباسي الأول . وقد فشلت حركات الخرمية أمام قوة الدولة العباسية ، وأمام تعارض المصالح بين الأشراف والعامة في إيران . فقد اتجه الأشراف إلى مسالمة العباسيين ، بل التعاون معهم أيضا بعد قيام الإمارات الفارسية . وفشلت حركة الزندقة أمام ضغط الإدارة العباسية وأمام الحملة الثقافية التي نظمها العباسيون ضدها . وأما الحركة الشعوبية التي استمرت بعد هذه الفترة فإنها أدت إلى تركيز مفهوم العروبة لأول مرة . فقد أخذ العرب ينظرون إلى أنفسهم من خلال لغتهم الواحدة ، ومن خلال إرث ثقافي متصل قبل الإسلام وبعده ، ونادوا بوحدة العرب الثقافية في التاريخ . وعندها صرنا نجد فكرة الأمة العربية ذات اللغة والثقافة الواحدة والسجايا الموحدة تتخلل كتب بعض المؤرخين والأدباء « 9 » .
--> ( 8 ) « رسالة في ذم أخلاق الكتاب ، » في : أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، وعلي ابن محمد أبو حيان التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة : وهو مجموع مسامرات في فنون شتى ، صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد الزين ، 3 ج في 2 ( القاهرة : لجنة التأليف والترجمة والنشر ، 1939 - 1944 ) ، ج 1 . ( 9 ) « رسالة في مناقب الترك ، » في : الجاحظ ، المصدر نفسه ، ص 5 - 6 .