السيد المرعشي

480

شرح إحقاق الحق

فقد ضيعت حين تبعت سهما * سفاهة ما سفهت وصل حلمي ندمت ندامة الكسعي لما * شريت رضا بنى سهم برغمي أطعتهم بفرقة آل لأي * فألقوا للسباع دمي ولحمي وكان الذي رمى طلحة مروان بن الحكم وقيل غيره . وزعم بعض أهل العلم أن عليا دعا طلحة فذكره أشياء من سوابقه على ما قال للزبير فرجع عن قتاله واعتزل في بعض الصفوف فرمي بسهم في رجله ، وقال مروان بعد ذلك : لا أطلب بثأري بعد اليوم والتفت إلى أبان بن عثمان فقال : قد كفيت بعض قتلة أبيك ، وكان طلحة شديدا على عثمان ولذلك قال : ندمت ندامة الكسعي . وكان عمره حين قتل ستين سنة ( 1 ) .

--> ( 1 ) قال الحافظ عبد الرزاق الصنعاني المولود سنة 126 والمتوفى سنة 211 في كتابه " المصنف " ( ص 241 ) : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : لما ولي الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال : لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولي . قال : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال : أتحبه يا زبير ؟ فقال : وما يمنعني ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فكيف أنت إذا قاتلته وأنت ظالم له ؟ قال : فيرون أنه إنما ولي لذلك . وقال العلامة أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام بن تميم التميمي القيرواني المغربي المالكي المولود سنة 251 والمتوفى سنة 333 في كتابه " المحن " ( ص 95 ط دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة 1403 ) : وحدثني يحيى بن محمد بن يحيى بن سلام ، عن أبيه ، عن جده ، عن شريك بن عبد الله ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن قال : قال رجل للزبير : أقتل عليا . قال : كيف تقتله ؟ قال : أخبره أني منه ثم أقتله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتله مؤمن . وحدثني محمد بن علي بن الحسن ، قال : حدثنا محمد بن علي الدعشي ، عن إسماعيل بن أبان ، عن يزيد بن أبي زياد ، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : سمعت عليا يقول يوم الجمل : أين الزبير ؟ فجعلت أكلل الدواب حتى نظرت إليهما قد اختلفت أعناق دابتيهما وعلي يقول له : أتذكر ؟ أتذكر ؟ فانصرف الزبير راجعا فقال طلحة : ما شأنه ؟ فأخبروه ، فركب يشيعه فرماه مروان بن الحكم فقتله . وقال الفاضل المعاصر مأمون غريب المصري القاهري في " خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام " ( ص 84 ط مكتبة غريب في القاهرة ) قال : أمام مخيلاتهم ما أكثر الأفكار التي كانت تتزاحم في رؤوس المتحاربين ، فالزبير كما يروي بعض الرواة قد شعر بالأحزان تملأ قلبه ، عندما علم أن عمار بن ياسر من أتباع علي ، وأنه قدم معه ، لقد دارت في رأسه الأفكار والهواجس ، فقد سمع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له ذات يوم : ويحك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية . وسمية هي أم عمار بن ياسر وكانت أول شهيد في الإسلام ، فماذا لو قتل عمار ؟ إن معنى ذلك أن الفئة الباغية قتلته ، وهو في الفئة التي تحارب ضده . ومهما كانت الظروف التي دفعت الزبير إلى التورط في هذه الفتنة ، فقد كان الرجل محبا لرسول الله تقيا ، لا يريد أن يكون من الفئة الباغية ، ومن هنا كان موقفه من علي ابن أبي طالب ، عندما انسحب من المعركة ، مؤثرا سلامة دينه ، فقد ناداه علي بن أبي طالب من بين الصفوف ليحادثه ، وقد خرج الإمام بلا سلاح ، وعندما تقابل الرجلان تعانقا ! وعاتبه الإمام وسأله : ما الذي أخرجك ؟ - دم عثمان . وهنا ذكره الإمام بتلك القصة التي حدثت بينهما ذات يوم ، قال له : أما تذكر يوم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني بياضة وهو راكب حماره ، فضحك إلى رسول الله ، وضحكت أنت معه ، فقلت أنت : يا رسول الله ما يدع علي زهوه . فقال لك : ليس به زهو ، أتحبه يا زبير ؟ فقلت : إني والله لأحبه . فقال لك : إنك والله ستقاتله وأنت له ظالم ، وتذكر الزبير هذه الحادثة فقال للإمام : أستغفر الله ، لو ذكرتها ما خرجت ، وطلب منه الإمام الرجوع ، ولكن الزبير سأل الإمام كيف يرجع والجيشان على أهبة القتال ، وأي عار سوف يلحقه لو انسحب ، فقال له الإمام : يا زبير ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار ، وقرر الزبير أن يترك ميدان القتال ، وانسحب عندما قامت المعركة حيث اغتيل في وادي السباع . واضح إذن أن الثائرين في موقفهم هذا كانت تتفاعل في نفوسهم مشاعر متباينة حتى أم المؤمنين عائشة هي الأخرى قد انتابتها هذه المشاعر المتباينة ، وأصابها الفزع وهي في طريقها إلى البصرة . . فقد رأت ماء ، وسمعت الكلاب تنبح ، وعندما سألت عن هذا المكان . . قالوا لها أنه ماء الحوأب . لقد تذكرت حديث الرسول الكريم يوم قال النبي لنسائه في إيثار : ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب . وقال الفاضل المعاصر جميل إبراهيم حبيب البغدادي في " سيرة الزبير بن العوام " ( ص 142 ط الدار العربية للموسوعات ) : وفي كتاب " وقعة الجمل " نفسه للغلابي البصري جاء في صدد اللقاء بين علي وطلحة ولقى علي عليه السلام في حملته طلحة فقال : يا أبا محمد ما أخرجك ؟ قال : الطلب بدم عثمان ، فقال علي : قتل الله قاتل عثمان ، أما تذكر يا أبا محمد قول النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، فقال طلحة : أستغفر الله ، لو ذكرتها ما خرجت . فرجع - يعني طلحة - فقال مروان : فلما رأيت طلحة قد رجع قلت : ما أبالي أرميت بسهمي هاهنا أم هاهنا ، فرميت طلحة فأصبت أكحله فقتلته . جاء تاريخ خليفة بن خياط : في رواية منسوبة إلى علي بن عاصم قال : حدثنا حصين قال : حدثني عمر بن جلوان قال سمعت الأحنف بن قيس قال : لما التقوا كان أول قتيل طلحة بن عبيد الله . وعن يحيى بن سعيد عن عمه قال : رمى مروان طلحة بن عبيد الله بسهم ، ثم التفت إلى أبان بن عثمان فقال : قد كفيناك بعض قتلة أبيك . وعن يحيى بن سعيد - كذلك - قال : قال طلحة : ندمت ندامة الكسعي لما * شربت رضى بني جرم برغمي اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى . وفي رواية : عن الأحنف قال : لما انحاز الزبير ، فقتله عمرو بن جرموز بوادي السباع . وفي رواية جامعة لمقتل كل من طلحة والزبير : عن يحيى بن سعيد ، عن عمه أن مروان رمى طلحة بسهم فقتله وانحدر الزبير منصرفا ، فقتل بوادي السباع ، قتله عمير ابن جرموز المجاشعي . يذكر العاملي أنه : خرج الزبير في أحد الأيام للمبارزة ، فذهب علي إليه بنفسه وقابله وناداه ونادى طلحة وذكرهما بالله في حقن الدماء وإيقاف القتال ، فبدأ بطلحة ثم تكلم مع الزبير . وجاء في كتاب " وقعة الجمل " للغلابي البصري : فخرج علي فركب فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم المرتجز ولم يأخذ معه سلاحا ولا سيفا ولا رمحا فنادى : يا طلحة يا زبير ، أخرجا إلي ، فلم يخرجا ، فنادى : يا زبير ، أخرج إلي ، فخرج وهو شاك في السلاح . . الخ . وتنتهي المحاورة بينهما بالعناق الحار والتفاهم التام والرجوع عن الحرب والرواية مشهورة تأخذ بها كل الكتب الأساسية في التاريخ . ونفس الرواية يقررها الأستاذ العاملي - ولعلها الأقرب إلى الصواب - كما يرى ذلك : أن عليا التقى بالزبير وحده في الميدان بعد ما دعاه مرارا مناديا : يا أبا عبد الله ، وكان علي حاسرا والزبير دارع مدجج ، فجرى بينهما كلام ، بدأ فيه الإمام أول ما بدأ بتذكير الزبير بن العوام بحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : تقاتله وأنت له ظالم ، فيجيب الزبير عليا صحيح ولكني نسيت أو بمعنى لو تذكرت ما جئت . ويقال إنه قال له قبل أن ينصرف فإني لا أقاتلك ، ثم انصرف . إلى أن قال في ص 144 : وانتفض الجمع ، وعاد الزبير أدراجه وهو عازم على العودة إلى المدينة ، فتصدى له ولده عبد الله ومنعه ، الخ ، لكن الزبير قرر في النهاية العودة إلى المدينة والكف عن القتال وفاء لما جرى بينه وبين الإمام علي من شروط . والرواية هنا تأتي بشكل آخر في كتاب " أسد الغابة " كما يلي : وشهد الزبير الجمل مقاتلا فناداه علي فانفرد به ، وقال له : أتذكر إذ كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلي وضحك وضحكت فقلت أنت لا يدع ابن أبي طالب زهوه ، فقال صلى الله عليه وسلم ولتقاتلنه وأنت له ظالم ، فذكر الزبير ذلك وانصرف عن القتال . وهناك مصادر أخرى تقول : إنه لما التقيا مع بعض تعانقا ثم تحاورا فكان من جملة ما دار كلامهما تذكير علي الزبير بالحديث الذي مر ذكره ، وبعد ذلك انصرف الإمام علي إلى أصحابه وهو يحمل إليهم البشرى باعتزال أحد أكبر قادة جيشهم من المعركة وهو الزبير بن العوام ، فقال لهم : أما الزبير فقد أعطى عهدا أن لا يقاتلكم . ورجع الزبير إلى عائشة فقال لها : ما كنت في موطن منذ عقلت وأنا أعرف فيه أمري غير موطني هذا . ثم ذكر لهم عن عزمه بالخروج من المعركة وانسحابه منها وذهابه إلى المدينة لكن ابنه عبد الله أخذ يلح عليه في البقاء والثبات متهما إياه بالخوف والجبن ، من رايات ابن أبي طالب ، ولأجل أن يدفع الزبير تهمة الجبن عن نفسه ، انصل أسنان رمحه وحمل على عسكر علي برمح لا سنان له ، فقال علي : أفرجوا له ، فإنه محرج ثم حمل ثانية ثم قال لابنه : أجبنا ؟ ويلك ترى ؟ فقال : لقد أعذرت ، فأنشد الزبير أثر ذلك وكان شاعرا : نادى علي بأمر لست أنكره * وكان عمر أبيك الخير منذ حين فقلت حسبك من عذلي أبا حسن * فإن بعض الذي قلت اليوم يكفيني ترك الأمور التي تخشى مغبتها * لله أمثل في الدنيا وفي الدين فاخترت عارا على نار مؤججة * أنى يقوم لها خلق من الطين وخرج الزبير بعد دلك من ساحة المعركة ، وأخذ يسير مسرعا باتجاه المدينة ، فنزل بوادي السباع ، وقام يصلي ، فأتاه ابن جرموز ، وكان يتبعه ، فقتله ، وجاء بسيفه إلى علي ، فقال علي رضي الله عنه : إن هذا سيف طالما فرج الكرب عن رسول الله ، ثم قال علي قول النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن جرموز : بشر قاتل ابن صفية بالنار . وقال الفاضلان عبد مهنا وسمير جابر في " أخبار النساء في العقد الفريد " ( ص 151 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) : قال أبو الحسين : لما انحاز الزبير يوم الجمل ، مر بماء لبني تميم ، فقيل للأحنف بن قيس : هذا الزبير قد أقبل . قال : وما أصنع به أن جمع بين هذين الغزيين وترك الناس وأقبل ؟ - يريد بالغزيين : المعسكرين - وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي ، فلما سمع كلامه قام من مجلسه وأتبعه حتى - فذكر مثل ما تقدم .