السيد المرعشي
406
شرح إحقاق الحق
بالله وبرسوله من ذلك ، فضرب على ظهرك وقال : إياك أن تكوني فيها ؟ إياك أن تكونيها يا حميراء ، أما أنا فقد أنذرتك . قالت عائشة : نعم ، أذكر هذا . ومنهم العلامة الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي الحنفي المتوفى سنة 739 في " الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان " ( ج 8 ص 258 ط بيروت ) قال : أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع وعلي بن مسهر ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : لما أقبلت عائشة مرت ببعض مياه بني عامر طرقتهم ليلا فسمعت نباح الكلاب فقالت : أي ماء هذا ؟ قالوا : ماء الحوأب . قالت : ما أظنني إلا راجعة . قالوا : مهلا يرحمك الله ! تقدمينا فيراك المسلمون فيصلح الله بك ، قالت : ما أظنني إلا راجعة ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب . ومنهم الفاضل الأمير أحمد حسين بهادر خان الحنفي البريانوي الهندي في كتابه " تاريخ الأحمدي " ( ص 167 ط بيروت سنة 1408 ) قال : وفي " كنز العمال " عن أم راشد قالت : سمعت طلحة والزبير . يقول أحدهما لصاحبه : بايعته أيدينا ولم تبايع قلوبنا ، فقلت لعلي فقال : ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال محمد بن عبد الله الإسكافي في المعيار والموازنة ص 53 : فلما بلغه [ أمير المؤمنين علي عليه السلام ] رضي الله عنه وعن جميع المؤمنين مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد صارت عائشة والزبير وطلحة وكل يدعي الأمر دون صاحبه يطلبه طلحة لأنه ابن عم عائشة ولا يرى الزبير إلا أنه أحق بالخلافة لأنه ختن عائشة ، فوالله لئن ظفروا بما يريدون ولا يرون ذلك أبدا ليضربن طلحة عنق الزبير والزبير عنق طلحة ، تنازعا شديدا على الملك ، والله إن راكبة الجمل لا تصعد عقبة ولا تنزل منزلا إلا إلى معصية الله وسخطه حتى تورد نفسها ومن معها متألف الهلكة يقتل ثلثهم ويهزم ثلثهم ويتوب ثلثهم ، والله لتنبحنها كلاب الحوأب ، فهل يعتبر معتبر أو يتفكر متفكر ؟ والله إن طلحة والزبير ليعلمان أنهما مخطئان وما يجهلان ، ولرب عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه . فتدبروا رحمكم الله هذه الأنباء ففيها التبيان والشفاء ، وتفهموا ما يرد عليكم من الهدى ، ولا يذهبن عنكم صفحا لتعلموا أن أموره مبنية على يقين متقدم ، وعلم ثاقب وحجة بالغة . لا يهم عند الشدائد ولا يفتر عند النوازل ، أمره في التقدم والبصيرة أمر واحد لا يضجع في القول ، ولا يفتر عند الإقدام ، ولا يفرق بين حاله أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين هذه الحال في الجهد والاجتهاد ، والقوة والعزم والبصيرة في جميع أموره [ فلاحظوا أحواله ] لتعلموا أن أعماله مبنية على أساس اليقين ، وأموره ماضية على البصيرة في الدين ، وأن هذه الأفعال لا يبينها إلا علم نافذ و [ أن ] أموره لا تتسق ولا تتفق إلا لمن اعتمد على الثقة والمعرفة ، وأيد بالنصر من الله والملائكة . ثم قوله [ عليه السلام ] على المنبر : إنه لم ير إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل الله . لا يجترئ من خالفه أن يدعي مثل هذه ولا يقدم أحد على تكذيبه ، فأين هذه إلا له . ثم نتبع هذا الكلام بأن نقول : [ إنه كان يقول ] : إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين . فهل تجد لمن خالفه مثل هذه الدعوى قبل النظر في الحجة ؟ وما تجد لهم إلا عللا ملفقة ينكرها من سمعها ، ويستدل على ريبة القوم بها وضعفهم عند ذكرها ، فمرة يطلب بدم عثمان ، ومرة بايعنا مكرهين ، ومرة جئنا لنصلح بين الناس مع ما يرد عليهم من الاحتجاج ، ممن رأى الاختلاف في قولهم والتناقض في منطقهم ، وما تروون من تلون عائشة ، وروايتكم عنها مرة : أخرج للإصلاح ، ومرة تعزم على الرجوع عند تذكر الخطأ ، وعند التوقيف لها [ كذا ] . هذه روايتكم ظاهرة مكشوفة في ماء الحوأب [ بأسانيدكم ] عن الشعبي ، عن ابن عباس ، قال : طرقت عائشة وطلحة والزبير ماء الحوأب ومن معهم ليلا وهو ماء لبني عامر بن صعصعة ، فنبحتهم كلاب الحوأب ، فنفرت صعاب إبلهم ، فقال قائل : لعن الله أهل الحوأب ما أكثر كلابهم . قالت عائشة : أي ماء هذا ؟ فقال محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير : هذا ماء الحوأب ، فقالت عائشة : والله لا صحبتكم ردوني ردوني ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كأني بكلاب ماء الحوأب قد نبحت على امرأة من نسائي وهي في فئة باغية ، ثم قال : لعلك أنت يا حميراء ، قال : ثم دعا عليا فناجاه بما شاء . ردوني . فقال لها الزبير : مهلا يرحمك الله ، يراك الناس والمسلمون فيصلح الله ذات بينهم . وقال طلحة : ليس هذا بحين رجوع . ثم جاء عبد الله بن الزبير ، فقال : ليس هذا ماء الحوأب ، وحلف لها على ذلك ، قال : وهل من شاهد يشهد على أن هذا ليس ماء الحوأب ؟ فأقاموا خمسين رجلا من الأعراب يشهدون أنه ليس ماء الحوأب ، وجعلوا لهم جعلا ، وكانت أول شهادة زور أقيمت في الإسلام . فليعتبر من به حياة ، وليذكر من كان له قلب واعلموا أن مثل هذه الأخبار لا تكون مفتعلة ، وكيف افتعل مثل هذه الأخبار في عائشة ولم يفتعل مثلها في علي [ وإنما مهدنا ذلك ] لتعلموا أنه لو كان سبيلها التخرص والتقول لجاز لمن خالفه عليه مثلها ، وهذه روايتكم لا تدفعونها والكذب من علي والمهاجرين والأنصار أبعد ، ومن الأعراب والطغام وجند المرأة أقرب . يقول علي رضي الله عنه وهو بالمدينة : ستنبحها كلاب الحوأب ، وتقول هي لما رأت الماء ونبحتها كلاب الحوأب : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم [ وذكرت ] ما ذكرناه آنفا ، [ ثم قالت ] : ثم دعا بعلي فناجاه . هل يكون بيان أوضح [ من هذا ] من أن عليا لم يقدم ولم يحجم ، ولم يقل ، ولم يسكت إلا بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم . ثم قوله : لئن ظفرا بالأمر يعني الزبير وطلحة ليضربن بعضهم بعضا . وقد كان من تشاحهما على الصلاة وقتالهما عليها ما يحقق قوله رضي الله عنه .