السيد المرعشي
381
شرح إحقاق الحق
ومنهم الفاضل المعاصر محمود شلبي في كتابه " حياة الإمام علي عليه السلام " ( ص 178 ط دار الجيل في بيروت ) قال : قال بريدة الأسلمي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة فيلبث اليوم واليومين لا يخرج ، فلما نزل خيبر أخذته فلم يخرج إلى الناس - فذكر الحديث الشريف ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال العلامة الحافظ أبو حاتم محمد بن أحمد التميمي البستي المتوفى سنة 354 في " السيرة النبوية وأخبار الخلفاء " ( ص 300 ط مؤسسة الكتب الثقافية - دار الفكر بيروت ) عند ذكر غزوة خيبر : ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقاتل فمر ورجع ولم يكن فتحا ، ثم بعث آخر يقاتل فمر ورجع ولم يكن فتحا ، وحمى الحرب بينهم وتقاعسوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ، ليس بفرار ، فلما أصبح دعا عليا وهو أرمد ، فتفل في عينيه فبرأ ، ثم قال : خذ هذه الراية واقبض بها حتى يفتح الله عليك ، فخرج علي يهرول والمسلمون خلفه حتى ركز رايته في رضم من حجارة ، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن وقال : من أنت ؟ فقال : أنا علي بن أبي طالب ، فقال اليهودي ، علوتم وما أنزل على موسى ، فلم يزل علي يقاتل حتى سقط ترسه من يده ، ثم تناول بابا صغيرا كان عند الحصن فاترس به ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده - إلى أن قال : وعند فراغ المسلمين من خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والله ما أدري بأي الأمرين أنا أشد فرحا بفتح خيبر أو قدوم جعفر . ثم قام إليه فقبل ما بين عينيه . وقال العلامة الشيخ بدر الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي المتولد سنة 745 والمتوفى 794 في " اللآلي المنثورة في الأحاديث المشهورة المعروف بالتذكرة في الأحاديث المشتهرة " ( ص 166 ط دار الكتب العلمية بيروت ) قال : زعم العلماء أن هذا الحديث لا أصل له ، وإنما يروى عن رعاع الناس ، وليس كما قال ، فقد أخرجه ابن إسحاق في سيرته ، عن أبي رافع : وإن سبعة لم يقلبوه . وقال العلامة الشيخ نور الدين علي بن محمد بن سلطان المشتهر بالملا علي القاري المتوفى سنة 1014 في " الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة " ( ص 114 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) قال : وقال الزركشي : أخرجه الحاكم من طرق عن جابر بلفظ : إن عليا لما انتهى إلى الحصن اجتبذ أحد أبوابه فألقاه بالأرض ، فاجتمع عليه سبعون رجلا فأجهدهم أن أعادوا الباب . وقال الفاضل المعاصر محمد حسين هيكل في " حياة محمد صلى الله عليه وآله وسلم " ( ص 312 ط 18 دار المعارف - القاهرة عام 1410 ) قال : وتتابعت الأيام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى حصن ناعم كي يفتحه ، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الحطاب في الغداة ، فكان حظه كحظ أبي بكر . فدعا الرسول إليه علي بن أبي طالب ، ثم قال له : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك . ومضى علي بالراية ، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده ، فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الحصن ثم جعل الباب قنطرة اجتاز المسلمون عليها إلى داخل أبنية هذا الحصن . وقال المحقق المعاصر محمد عبد القادر عطا في " تعليقاته على كتاب الغماز على اللماز " للعلامة السمهودي ( ص 100 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) ، قال في تعليقه على حديث " حمل علي باب خيبر " : أخرجه البيهقي في " الدلائل " من حديث ليث بن أبي سليم ، عن أبي جعفر محمد ابن علي بن الحسين ، عن جابر : أن عليا حمل الباب يوم خيبر ، وأنه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا . وأورده الزركشي في التذكرة ، وعزاه للحالكم من طرق عن جابر ، بلفظ إن عليا لما انتهى إلى الحصن اجتذب أحد أبوابه فألقاه فاجتمع عليه بعد سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب . وتابعه السيوطي في الدرر ، وقال : وأخرجه ابن إسحاق في سيرته عن أبي رافع أن سبعة لم يقلبوه . انظر : المقاصد الحسنة 418 ، وكشف الخفا 1168 ، والأسرار المرفوعة 188 ، والدرر المنتشرة 477 . ومنهم الشريف علي فكري الحسيني القاهري المصري في " السمير المهذب " ( ج 2 ص 198 ط بيروت ) قال : لما كانت غزوة خيبر نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين على حصن من حصونها وصار يبعث كل يوم رجلا يقاتل ، فلم يفتح عليه ، فقال عليه الصلاة والسلام : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، يفتح الله عليه يديه ، كرار غير فرار . فدعا عليا رضي الله عنه ، وهو أرمد ، فتفل في عينيه ، ثم قال : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك ، ودعا له ومن معه بالنصر ، فخرج علي رضي الله عنه يهرول ، حتى ركزها تحت الحصن ، ثم خرج إليه أهل الحصن ، فبرز له فارس فقتله ، وانهزمت اليهود إلى الحصن ، ثم خرج إليه أخو المقتول غارقا في لامته ، ثم حمل على علي كرم الله وجهه وضربه فطرح ترسه من يده فتناول علي رضي الله عنه بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه ، وقتل خصمه . ولم يزل يقاتل والباب في يده حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده وراء ظهره ، وكان طول الباب ثمانين شبرا ، ولم يحركه بعد ذلك سبعون رجلا إلا بعد جهد ، ففيه دلالة على فرط قوة علي ، وكمال شجاعته رضي الله عنه . ( السيرة النبوية ) . وقال السيد رفاعة الطهطاوي في " نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز صلى الله عليه وسلم " ( ج 2 ص 160 ط مكتبة الآداب ومطبعتها بالجماميز ) : فقال صلى الله عليه وسلم : أما والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، كرار غير فرار يأخذها عنوة ، فتطاول المهاجرون والأنصار إليها ، يرجو كل واحد أن يكون هو صاحب ذلك ، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه ، فلما أصبحوا جاء علي فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في عينيه فما اشتكى رمدا بعدها ، ثم أعطاه الراية وعليه حلة حمراء ، فنهض بها وأتى خيبرا ، فأشرف عليه رجل من يهودها ، وقال : من أنت ؟ قال : علي بن أبي طالب ، فقال اليهودي : غلبتم يا معشر اليهود فخرج مرحب صاحب الحصن من الحصن ، ولم يكن في أهل خيبر أشجع من مرحب ، وعليه مغفر يماني ، وعلى رأسه بيضة ، وله رمح سنانه ثلاثة أسنان ، ونادى : من يبارز ؟ وهو يرتجز ويقول : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا ، وحينا أضرب * إذا الحروب أقبلت تلهب إن حماي للحمى لا يقرب فخرج علي كرم الله وجهه وهو يقول : أنا الذي سمتني أمي حيدرة * أكيلكم بالسيف كيل السندرة ليث بغابات شديد القسورة والسندرة مكيال معلوم ، ومعلوم أن حيدرة اسم من أسماء الأسد ، وهو أشجعها أشار بذلك إلى أن أمه فاطمة لما ولدته سمته باسم أبيها ، وكان أبو طالب حينئذ غائبا ، فلما قدم سماه عليا ، ولذلك قال علي رضي الله عنه يوم خيبر : أنا الذي سمتني . . إلى آخره ، فغلب عليه ما سماه أبوه . فاختلفا ضربتين ، فسبقه علي رضي الله عنه فقد البيضة والمغفر ورأسه ، فسقط عدو الله ميتا . وكان فتح خيبر في شهر صفر ، على يد علي رضي الله عنه بعد حصار بضع عشرة ليلة ، وإلى ذلك يشير بعضهم : وشادن أبصرته مقبلا * فقلت من وجدي به مرحبا قد فؤادي في الهوى قده * قد علي في الوغى مرحبا وفتح المسلمون حصون خيبر كلها عنوة ، إلا حصن الوطيح وحصن سلالم بضم السين المهملة فإنما فتحا صلحا ، وكان أعظم حصون خيبر حصن القموص كصبور من حصون الكتيبة الثلاثة وكان منيعا حاصره المسلمون عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد علي رضي الله عنه ، ومنه سبيت صفية رضي الله عنها ، وقيل : إن اسمها قبل أن تسبى زينب ، فلما صارت في الصفى سميت صفية . وقال الفاضل المعاصر محمد قطب في " معارك النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود " ( ص 88 ط دار القلم - بيروت ) : فأقام [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] يبعث على المقاتلة أناسا من أصحابه ، أمثال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلم يكن فتح . وفي مساء يوم قال : لأعطين الراية غدا لرجل يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله لا يولي الدبر ، يفتح الله عز وجل على يديه . ولم يكن أحد من الصحابة ، له منزلة عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا وتمنى أن يعطى الراية ، ويكون ذلك الرجل . فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو يعطاها ، ولقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله : ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكان أرمد شديد الرمد ، فقيل : يا رسول الله إنه يشتكي عينيه ، فقال : من يأتيني به ؟ فذهب إليه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأخذه بيده يقوده حتى أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب عينيه . فعقد له لواءه الأبيض ، فقال علي : يا رسول الله إني أرمد كما ترى ، لا أبصر موضع قدمي . فوضع عليه السلام رأس علي في حجره ، ومسح له عينيه بكفه الشريفة ، فبرأ حتى كأن لم يكن بهما وجع . قال علي رضي الله عنه : فما رمدت بعد يومئذ . وروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : لما تهيأ علي رضي الله عنه يوم خيبر للحملة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي ، والذي نفسي بيده إن معك من لا يخذلك ، هذا جبريل عن يمينك بيده سيف لو ضرب به الجبال لقطعها ، فأبشر بالرضوان والجنة ، يا علي إنك سيد العرب ، وأنا سيد ولد آدم . كما ألبسه درعه ، وشد ذا الفقار - الذي هو سيفه - في وسطه ، وأعطاه الراية ، ثم وجهه إلى الحصن . وخرج علي رضي الله عنه يهرول حتى ركز الراية تحت الحصن ، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن ، فقال : من أنت ؟ قال : علي بن أبي طالب ، قال اليهودي : علوتم ، والتوراة التي أنزل الله على موسى . ثم خرج إليه أول فارس من الحصن ، هو الحرث أخو مرحب ، وكان معروفا بالشجاعة ، فوثب إليه علي ، فتضاربا وتقاتلا ، فقتله علي رضي الله عنه ، وانهزم بقية فرسان اليهود إلى داخل الحصن . ثم خرج إلى علي مرحب أخو الحرث ، وقد لبس درعين ، وتقلد بسيفين ، واعتم بعمامتين ، ولبس فوقهما مغفرا ، ومعه رمح له ثلاث شعب ، وكان يرتجز : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فتصدى له علي رضي الله عنه وهو يقول : أنا الذي سمتني أمي حيدرة * كليث غابات شديد القسورة أكيلكم بالسيف كيل السندرة فحمل مرحب على علي رضي الله عنه وضربه فطرح الترس من يده ، فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه الحصن . ثم إن عليا كرم الله وجهه ضرب مرحبا ، فتترس فوقع السيف على الترس ، فقده وشق المغفر وفلق هامة مرحب حتى أخذ السيف في الأضراس . وإلى ذلك أشار بعض الشعراء في قوله : وشادن أبصرته مقبلا فقلت * من وجدي به مرحبا قد فؤادي في الهوى قدة * قد علي في الوغى مرحبا ثم إن الله تعالى فتح ذلك الحصن ، وهو حصن ناعم ، أول حصون النطاة على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وتتابع الفتح ، وسقطت حصون خيبر واحدا تلو الآخر ، وهي : النطاة والصعب وناعم وقلعة الزبير والشق والقموس وبري وحصن أبي والوطيح والسلالم . وقال الفاضل المعاصر محمود شلبي في كتابه " حياة الإمام علي عليه السلام " ( ص 20 ط دار الجيل في بيروت ) : عن سهيل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله . فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطى فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقالوا : علي يا رسول الله يشتكي عينيه . قال : فأرسلوا إليه . فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع . فأعطاه الراية فقال علي : يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ؟ فقال : أنفد على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من الله فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم . أين علي ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عليا لماذا ؟ لأنه هو وحده المرشح لتلك المهمة التي عجز عنها أصحابه رضي الله عنهم ، وهذه شهادة ليس كمثلها شهادة . إن عليا خلاصة الأبطال ، رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله . تاج المجد فوق رأس أمير المؤمنين مرصع بلآلئ ليس كمثلها لآلئ ، ومن تلك اللآلئ هذه اللؤلؤة النادرة . عن أبي بريدة يقول : حاصرنا خيبر فأخذ الراية أبو بكر ولم يفتح له ، فأخذها من الغد عمر فانصرف ولم يفتح له وأصاب الناس شدة وجهد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني دافع لوائي غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له ، وبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الغداة ثم جاء قائما ورمى اللواء والناس على أقصافهم فما منا انسان له منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجو أن يكون صاحب اللواء . فدعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أرمد فتفل ومسح في عينيه ، فدفع إليه اللواء وفتح الله عليه . إني دافع لوائي غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له . غيوب لا يعلمها إلا الله ورسوله يذيعها صلى الله عليه وسلم مقدما وقبل أن تحدث وقد حدثت كما قال إلى رجل إلى بطل ليس كمثله وكلمة رجل هنا بمعنى بطل بلغ الغاية من محاسن البطولة . سيف علي عن بريدة الأسلمي قال : لما كان يوم خيبر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصن أهل خيبر أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء عمر فنهض فيه من نهض من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأعطين اللواء رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، فلما كان من الغد تصادر أبو بكر وعمر فدعا عليا وهو أرمد فتفل في عينيه ونهض معه من الناس فلقي أهل خيبر فإذا مرحب يرتجز : قد علمت خيبر إني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب إذا الليوث أقبلت تلهب * أطعن أحيانا وحينا أضرب فاختلف هو وعلي ضربتين فضربه على هامته حتى مضى السيف منها منتهى رأسه وسمع أهل العسكر صوت ضربته فما تتام آخر الناس مع علي حتى فتح لأولهم . هذا مثال واحد من عجائب ضربت سيفه عليه السلام ، حتى مضى السيف منها منتهى رأسه فلما هوى مرحب هوى من وراءه واستسلموا سراعا - إلى أن قال : هاهو الإمام الحسن يصف أباه فماذا قال ؟ عن هبيرة بن هديم قال : جمع الناس الحسن بن علي وعليه عمامة سوداء لما قتل أبوه فقال : لقد كان قتلتم بالأمس رجلا ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ويقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ثم لا ترد رايته حتى يفتح الله عليه . ما ترك دينارا ولا درهما إلا تسعمائة أخذها عياله من عطاء كان أراد أن يبتاع بها خادما لأهله . جمال عجيب يترقرق من فم الإمام الحسن ووصف دقيق عميق سحيق يوشك أن يكون أصدق وصف لشخصية الإمام عليه السلام ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون ومعنى هذا أنه رجل ليس كمثله رجل . وقال الشيخ آل الشيخ في " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " ( ص 99 ط دار القلم ) قال عند شرح الحديث الشريف : قال : ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه . فبات الناس يدوكون ليلتهم ، أيهم يعطاها . فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها . فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يشتكي عينيه . قال : فأرسلوا إليه ، فأتي به فبصق في عينيه ودعا له ، فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية وقال : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم . يدوكون أي يخوضون . قوله " عن سعد بن سهل " أي ابن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي ، أبي العباس صحابي شهير ، وأبوه صحابي أيضا ، مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة . قوله " قال يوم خيبر " وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال : كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر ، وكان أرمد فقال : أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فخرج علي رضي الله عنه فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كان مساء الليلة التي فتح الله عز وجل في صباحها قال صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله ، أو قال : يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه . فإذا نحن بعلي وما نرجوه ، فقالوا : هذا علي ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية ففتح الله عليه . قوله " لأعطين الراية " قال الحافظ في رواية بريدة : إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله ، وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفها ، ولكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس : كانت راية رسول الله صلى الله وسلم سوداء ولواؤه أبيض ومثله عند الطبراني عن بريدة . وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد مكتوب فيه : لا إله إلا الله محمد رسول الله . قوله " يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " فيه فضيلة عظيمة لعلي رضي الله عنه - إلى أن قال : قوله " يفتح الله على يديه " صريح في البشارة بحصول الفتح ، فهو علم من أعلام النبوة . قوله " فبات الناس يدوكون ليلتهم " بنصب " ليلتهم " و " يدوكون " قال المصنف : يخوضون . أي فيمن يدفعها إليه . وفيه حرص الصحابة على الخير واهتمامهم به ، وعلو مرتبتهم في العلم والإيمان . قوله " أيهم " هو برفع أي على البناء لإضافتها وحذف صدر صلتها . قوله " فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها " وفي رواية أبي هريرة عند مسلم أن عمر قال : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ . - إلى أن قال : قال شيخ الإسلام : إن في ذلك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بإيمانه باطنا وظاهرا وإثباتا لموالاته لله تعالى ورسوله ووجوب موالاة المؤمنين له - إلى أن قال : قوله " فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ " فيه سؤال الإمام عن رعيته ، وتفقد أحوالهم . قوله " فقيل هو يشتكي عينيه " أي من الرمد ، كما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص فقال : ادعوا لي عليا فأتي به أرمد الحديث ، وفي نسخة صحيحة بخط المصنف فقيل هو يشتكي عينيه ، فأرسل إليه مبني للفاعل ، وهو ضمير مستتر في الفعل راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكونا مبنيا لما لم يسم فاعله . ولمسلم من طريق إياس بن سملة بن الأكوع عن أبيه قال : فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده أرمد قوله " فبصق " بفتح الصاد ، أي تفل . قوله " ودعا له فبرأ " هو بفتح الراء والهمزة ، أي عوفي في الحال ، عافية كاملة كأن لم يكن به وجع من رمد ولا ضعف بصر . وعند الطبراني من حديث علي : فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الراية ، وفيه دليل على الشهادتين . قوله " فأعطاه الراية " قال المصنف : فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ، ومنعها عمن سعى . وفيه : أن فعل الأسباب المباحة أو المستحبة لا ينافي التوكل . قوله " وقال انفذ على رسلك " بضم الفاء . أي أمض ، ورسلك بكسر الراء وسكون السين ، أي على رفقك من غير عجلة . وساحتهم فناء أرضهم وهو ما حولها . وفيه : الأدب عند القتال وترك العجلة والطيش ، والأصوات التي لا حاجة إليها . - إلى أن قال : قوله " وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه " أي في الإسلام - إلى أن قال : قوله " فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " أن مصدرية واللام قبلها مفتوحة لأنها لام القسم . وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر ، رفع على الابتداء والخبر وحمر بضم المهملة وسكون الميم ، جمع أحمر . و " النعم " بفتح النون والعين المهملة ، أي خير لك من الإبل الحمر . وهي أنفس أموال العرب - إلخ .