السيد المرعشي

306

شرح إحقاق الحق

وفي بعض التفاسير وجدت أنه رضي الله تعالى عنه قتل مائة ألف كافر . وما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية إلا فتح الله تعالى على يديه . وكان إذا قاتل يقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره . ومنهم الملك المجاهد علي بن داود بن يوسف الرسولي الغساني في " الأقوال الكافية والفصول الشافية - في الخليل " ( ص 197 ط دار الغرب الإسلامي - بيروت ) قال : وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقاتل فارسا وراجلا ، وحكي عن بعضهم قال : قلت لأمير المؤمنين : من أشجع الناس ؟ قال : ابن صفية ، يعني الزبير ، قال : فأتيت الزبير فقلت له : من أشجع الناس ؟ قال : الطهر ابن فاطمة ، يعني عليا ، إلا أنه لا يقاتل إلا راجلا ، فأتيت عليا فقلت له بما قال الزبير ، فقال : لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا * وأخو الحرب من أطاق النزولا قال : فرجعت إلى الزبير فأعلمته بما قال أمير المؤمنين ، فقال : صدق هو والله أشجع مني فارسا وراجلا ( 1 ) .

--> ( 1 ) وقال العلامة المعاصر الشيخ محمد العربي التباني الجزائري المكي في " تحذير العبقري من محاضرات الخضري " ( ج 2 ص 101 ط بيروت سنة 1404 ) قال : وشجاعة علي متواترة تواترا معنويا ، قال أسيد بن أبي أياس الكناني رضي الله تعالى عنه قبل أن يسلم بعد بدر الكبرى يعير قريشا بما فعل علي فيهم : في كل مجمع غاية أخزاكم * صدع يفوق على المذاكي القرح لله دركم الما تذكروا * قد يذكر الحر الكريم ويستحي هذا ابن فاطمة الذي أفناكم * ذبحا وقتلا بعضه لم يرتح أين الكهول وأين كل دعامة * في المعضلات وأين زين الأبطح وكانت درعه رضي الله تعالى عنه صدرا لا ظهر لها ، فقيل له : يا أبا الحسن لم لا تجعل لها ظهرا ؟ فقال : إذا مكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله علي . 1 - بياته في مكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة هجرته لما اتفقت قريش على قتله وهو يعلم ما يريدون . 2 - كان قتلى قريش ببدر سبعين رجلا فكان لعلي وعمه حمزة ثلثها . 3 - خرج أبو سعد بن أبي طلحة العبدري يوم أحد وبيده لواء المشركين مبارزا وقال : أنا قاصم أي داهية ، فخرج إليه علي وهو يقول : أنا أبو القصم فقتله . قال ابن هشام : نادى مناد يوم أحد لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ، وذو الفقار سيف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ناوله صلى الله تعالى عليه وسلم لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها لما رجعوا من أحد وقال اغسلي عنه الدم يا بنية فوالله لقد صدقني اليوم ، فناولها علي سيفه أيضا وقال اغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة وقال حين غسلت فاطمة سيفه من الدم : أفاطم هاءي السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بلئيم 4 - قتله في غزوة الخندق فارس قريش عمرو بن عبد ود العامري مبارزة مشهور ، وقد طمسه المحاضر وتلون وتخبط في التعبير عنه وقد تقدم تقويمه وشرحه فيها . 5 - قتله فارس خيبر مرحبا اليهودي مبارزة وقتل الزبير رضي الله تعالى عنه أخاه ياسرا مبارزة أيضا . 6 - فتحه حصنها وتترسه بباب من أبوابه لم يستطع ثمانية من الصحابة قلبه مشهور . قال سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه : بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر فقاتل فرجع ولم يك فتح وقد جهد ، ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يك فتح وقد جهد ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار . قال : فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا وهو أرمد فتفل في عينه ثم قال : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك . قال سلمة : فخرج والله بها يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركزها في رضم من حجارة تحت الحصن ، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال : من أنت ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب ، قال : فقال اليهودي : علوتم وما أنزل على رأس موسى ، فما رجع حتى فتح الله على يديه . قال أبو رافع مولى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برايته فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يديه حين فرغ ، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي إناثا منهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه ا ه‍ . وقد حذف المحاضر غزوة خيبر برمتها من محاضراته لأجله وتقدم التنبيه على ذلك في محله . 7 - ثباته يوم حنين مع من ثبت معه صلى الله تعالى عليه وسلم مقاتلا بين يديه . 8 - قال ابن كثير في بدايته : قد ذكر علماء التاريخ وغيرهم أن عليا رضي الله تعالى عنه بارز في أيام صفين وقاتل وقتل خلقا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة ، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق مبارزة ثم وضعهم تحت قدميه ثم نادى ، هل من مبارز ، فبرز إليه علي فتجاولا ساعة ثم ضربه علي فقتله ، ثم قال : هل من مبارز فبرز إليه الحارث ابن وداعة الحميري فقتله ثم برز إليه رواد بن الحارث الكلاعي فقتله ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله ، ثم تلا قوله تعالى : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) . 9 - لما انهزمت ميمنته رضي الله تعالى عنه بصفين قال زيد بن وهب الجهني : مر علي معه بنوه نحو الميسرة وإني لأرى النبل يمر بين عاتقه ومنكبه وما من بينه أحد إلا يقيه بنفسه فيتقدم فيحول بين أهل الشام وبينه ، فيأخذه بيده ، إذا فعل ذلك فيلقيه بين يديه أو أو من ورائه ، فبصر به أحمر مولى بني أمية فقال : ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك أو تقتلني ، فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي فاختلفا ضربتين فقتله أحمر ، فأخذ علي بجيب درع أحمر فجذبه وحمله على عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه ثم دنا منه أهل الشام فما زاده قربهم منه سرعة ، فقال له ابنه الحسن : ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء القوم الذين صبروا من أصحابك ، فقال : يا بني إن لأبيك يوما لا يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به المشي ، إن أباك والله لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه . وقال الفاضل المعاصر طه عبد الله العفيفي في " وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم " ( ص 426 ط دار التراث العربي القاهرة ) : ومن شجاعته ما حدث وهو في العاشرة من عمره حين أحاط المشركون بالنبي قبل انتشار الدعوة الإسلامية وهم ينذرون النبي ويتوعدونه ، ويقولون له : إنك وحيد ليس لك فينا نصير . وعندما سمع ذلك علي ، صاح قائلا وهو ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم : أنا نصيرك ، فضحك القوم من هذا الصبي الصغير ولكنه شد قبضته كأنه فارس مغوار ، وهو يهم بالهجوم على القوم دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي ليلة الهجرة افتدى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه عندما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يلتحف ببرده الأخضر وينام في فراشه فقبل ذلك وهو يعلم أن قريشا تأتمر بالنبي صلى الله عليه وسلم لقتله . وقد حدث فعلا بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من داره في الطريق إلى دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي صاحبه بعد ذلك إلى الغار أن هاجمه القوم في أول الصباح ، ولما لم يجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الدار وأن عليا هو الذي كان ينام مكانه ، أوسعوه ضربا وحبسوه في المسجد وأقاموا عليه الحراس والأرصاد . وقد عبر شاعر مصري عن هذا بقوله : ولن ينسى النبي له صنيعا * عشية ودع البيت الحراما عشية سامه في الله نفسا * لغير الله تكبر أن تساما فأرخصها فدى لأخيه لما * تسجى في حظيرته وناما وأقبلت الصوارم والمنايا * لحرب الله تنتحم انتحاما فلم يأبه لها أنفا علي * ولم تقلق بجفنيه مناما وأعشى الله أعينهم فراحت * ولم تر ذلك البدر التماما وقد عرف منه رضي الله عنه أنه ما صارع أحدا إلا صرعه ، وأنه كان جريئا على الموت . فقد ورد أنه بارز عمرو بن عبد ود - فارس الجزيرة العربية - وهو لا زال حدثا في سنه ، وكان هذا أيام وقعة الخندق عندما برز ابن ود مزهوا بقوته ينادي في المسلمين : من يبارز ؟ فهتف علي : أنا له يا رسول الله ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول له : اجلس إنه عمرو ، ولكن الرجل المزهو عاد يصيح : من يبارز ؟ وراح يهزأ بالمسلمين قائلا : أين جنتكم التي زعمتم أنكم داخلوها ، أجبنتم أفلا يبرز لي منكم رجل ؟ فكان علي ينهض المرة بعد الأخرى وهو يكرر في حماس : أنا له يا رسول الله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يشفق عليه ويقول له : اجلس إنه عمرو ، ولكنه ظل بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أذن له فلما تقدم نحو عمرو سخر منه وهو يكتسحه بنظرات الاستصغار قائلا له : من أنت ؟ فيجيبه بعزة ورجولة : أنا علي . فيقول له عمرو : أنت ابن عبد مناف ؟ فيقول علي بن أبي طالب ، فأقبل عمرو عليه مشفقا وقائلا : يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك وإني أكره أن أهريق دمك . فقال له علي : ولكني والله لا أكره أن أهريق دمك ، ولكني أذكرك يا عمرو بما ينفعك ويعصم دمك ، إنك كنت تعاهد قومك ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه أحسنها . قال عمروا أجل . فقال علي : فإني أدعوك إلى الإسلام أو إلى النزال . فقال عمرو مستصغرا لشأن علي : ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك . ثم غضب وأهوى بسيفه عليه يريد أن يذهب به بضربة واحدة . ولكن عليا راوغه وما زال به حتى خر الرجل صريعا تحت قدميه ، فكبر المسلمون تكبيرة تفيض بنشوة النصر ، ثم استقبلوا عليا مهللين مكبرين . وعندما علمت ابنة عمرو بقتله سألت عن قاتله ، فلما علمت أنه علي وجدت عزاءها في أن الذي قتله فتى لا يشق لشجاعته غبار . وذهبت ترثيه شعرا فتقول : لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد لكن قاتله من لا نظير له * وكان يدعي أبوه بيضة البلد وقد خاض علي المعارك كلها إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان على شجاعته لا يبدأ أحدا بقتال ، وكان يأمر جنده أن لا يجهزوا على جريح ولا يقتلوا رجلا استسلم أو هرب موليا ، وفي وقعة الجمل كان يصلي على الموتى من أعدائه . وقال الفاضل المعاصر الأستاذ عباس محمود العقاد في " المجموعة الكاملة - العبقريات الإسلامية " ( ج 2 ص 18 ط دار الكتاب اللبناني - بيروت ) : فكانت شجاعته من الشجاعات النادرة التي يشرف بها من يصيب بها ومن يصاب ، ويزيدها تشريفا أنها ازدانت بأجمل الصفات التي تزين شجاعة الشجعان الأقوياء فلا يعرف الناس حلية للشجاعة أجمل من تلك الصفات التي طبع عليها علي بغير كلفة ولا مجاهدة رأي وهي التورع عن البغي ، والمروءة مع الخصم قويا أو ضعيفا على السواء ، وسلامة الصدر من الضغن على العدو بعد الفراغ من القتال . فمن تورعه عن البغي ، مع قوته البالغة وشجاعته النادرة ، إنه لم يبدأ أحدا قط بقتال وله مندوحة عنه ، وكان يقول لابنه الحسن : لا تدعون إلى مبارزة ، فإن دعيت إليها فأجب ، فإن الداعي إليها باغ والباغ مصروع . وعلم أن جنود الخوارج يفارقون عسكره ليحاربوه ، وقيل له : إنهم خارجون عليك فبادرهم قبل أن يبادروك ، فقال : لا أقاتلهم حتى يقاتلوني ، وسيفعلون . وكذلك فعل قبل وقعة الجمل ، وقبل وقعة صفين ، وقبل كل وقعة صغرت أو كبرت ووضح فيها عداء العدو أو غمض : يدعوهم إلى السلم وينهى رجاله عن المبادأة بالشر ، فما رفع يده بالسيف قط إلا وقد بسطها قبل ذلك للسلام . كان يعظ قوما فبهرت عظته بعض الخوارج الذين يكفرونه ، فصاح معجبا إعجاب الكاره الذي لا يملك بغضه ولا إعجابه : قاتله الله كافرا ما أفقهه ، فوثب أتباعه ليقتلوه فنهاهم عنه ، وهو يقول : إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب . وقد رأينا أنه كان يقول لعمرو بن عبد ود : إني لا أكره أن أهريق دمك ، ولكنه على هذا لم يرغب في إهراق دمه إلا بعد يأس من إسلامه ومن تركه حرب المسلمين ، فعرض عليه أن يكف عن القتال فأنف ، وقال : إذن تتحدث العرب بفراري ، وناشده : يا عمرو ، إنك كنت تعاهد قومك ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما . قال : أجل . قال : فإني أدعوك إلى الإسلام أو إلى النزال . قال : ولم يا بن أخي ؟ فوالله ما أحب أن أقتلك ، فلم يكن له بد بعد ذلك من إحدى اثنتين : أن يقتله أو يقتل على يديه . وعلى ما كان بينه وبين معاوية وجنوده من اللدد في العداء لم يكن ينازلهم ولا يأخذ من ثاراته وثارات أصحابه عندهم إلا بمقدار ما استحقوه في موقف الساعة : فاتفق في يوم صفين أن خرج من أصحاب معاوية رجل يسمى كريز بن الصباح الحميري فصاح بين الصفين : من يبارز ؟ فخرج إليه رجل من أصحاب علي فقتله ووقف عليه ونادى : من يبازر ؟ فخرج إليه آخر فقتله وألقاه على الأول ، ثم نادى : من يبارز ؟ فخرج إليه الثالث فصنع به صنيعه بصاحبه ، ثم نادى رابعة : من يبارز ؟ فأحجم الناس ورجع من كان في الصف الأول إلى الصف الذي يليه ، وخاف في أن يشيع الرعب بين صفوفه فخرج إلى ذلك الرجل المدل بشجاعته وبأسه فصرعه ثم نادى نداءه حتى أتم ثلاثة صنع بهم صنيعه بأصحابه ، ثم قال مسمعا الصفوف : يا أيها الناس ! إن الله عز وجل يقول : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) ، ولو لم تبدؤونا ما بدأناكم ، ثم رجع إلى مكانه . وقد كان مدار هذا الخلق في ابن أبي طالب على ثقة أصيلة فيه لم تفارقه منذ حبا ودرج ، وقبل أن يبلغ مبلغ الرجال . فما منعته الطفولة الباكرة يوما أن يعلم إنه شئ في هذه الدنيا وإنه قوة لها جوار يركن إليه المستجير . ولقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون بالنبي عليه السلام ينذرونه وينكرونه وهو يقلب عينه في وجوههم ويسأل عن النصير ولا نصير ، لو كان بعلي أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ الدين رفعتهم الوجاهة ورفعتهم آداب القبيلة البدوية إلى مقام الخشية والخشوع . ولكنه كان عليا في تلك السن الباكرة كما كان عليا وهو في الخمسين أو الستين ، فما تردد وهم صامتون مستهزئون أن يصيح صيحة الواثق المغضوب : أنا نصيرك ، فضحكوا منه ضحك الجهل والاستكبار ، وعلم القدر وحده في تلك اللحظة أن تأييد ذلك الغلام أعظم وأقوم من حرب أولئك القروم . علي هذا هو الذي نام في فراش النبي ليلة الهجرة ، وقد علم ما تأتمر به مكة كلها من قتل الراقد على ذلك الفراش . وعلي هذا هو الذي تصدى لعمرو بن ود مرة بعد مرة والنبي يجلسه - إلخ . وقال الفاضل المعاصر محمد رضا في " الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه رابع الخلفاء الراشدين " ( ص 22 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) : شهد علي رضي الله عنه الغزوات مع رسول لله صلى الله عليه وسلم ، فكان له فيها شأن عظيم ، وأظهر شجاعة عجيبة ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة . فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم كرز بن جابر الفهري - عزوة بدر الأولى - أعطاه لواءه الأبيض . وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العشيرة بأبي تراب . عن عمار بن ياسر قال : كنت أنا وعلي رفيقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العشيرة ، فنزلنا منزلا فرأينا رجالا من بني مدلج يعملون في نخل ، فقلت : لو انطلقنا فنظرنا إليهم كيف يعملون ؟ فانطلقنا ، فنظرنا إليهم ساعة ، ثم غشينا النعاس فعمدنا إلى صور من النخل فنمنا تحته في دقعاء من التراب ، فما أيقظنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتانا وقد تتربنا في ذلك التراب ، فحرك عليا برجله ، فقال : قم يا أبا تراب ، ألا أخبرك بأشقى الناس ! أحمر ثمود عاقر الناقة ، والذي يضربك على هذا ، يعني قرنه فيخضب هذه منها وأخذ بلحيته . وفي غزوة بدر الكبرى كان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان ، إحداهما مع علي يقال لها العقاب والأخرى مع بعض الأنصار . وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبارز في هذه الغزوة الوليد بن عتبة ، فبارزه وقتله وكان من أشد أعداء رسول الله . وقال علي رضي الله عنه يذكر شجاعة رسول الله : لما أن كان يوم بدر وحضر الناس التقينا برسول الله ، فكان من أشد الناس بأسا ، وما كان منا أحد أقرب إلى العدو منه . وفي غزوة أحد قال طلحة بن عثمان فقال : يا معشر أصحاب محمد ! إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة ، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفه إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار ، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : والذي نفسي بيده ، لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار ، أو تعجلني بسيفك إلى الجنة ، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته . فقال : أنشدك الله والرحم يا أين عم ، فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعلي أصحابه : ما منعك أن تجهز عليه ؟ قال : إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه . وقتل علي ثلاثة من أصحاب الألوية في هذه الغزوة ، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي : احمل عليهم ، فحمل عليهم ففرق جمعهم ، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي ، ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي احمل عليهم ، فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي فقال جبريل : يا رسول الله إن هذه للمواساة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه مني وأنا منه . فقال جبريل : وأنا منكما . فسمعوا صوتا : لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله بعد غزوة أحد ناول سيفه ابنته فاطمة فقال : اغسلي عن هذا دمه يا بنية ، وناولها علي رضي الله عنه سيفه وقال : وهذا فاغسلي عنه ، فوالله لقد صدقني اليوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن كنت صدقت القتال ، لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة . قال الطبري : وزعموا أن علي بن أبي طالب حين أعطى فاطمة عليهما السلام سيفه قال : أفاطم هاك السيف غير ذميم * فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد قاتلت في حب أحمد * وطاعة رب بالعباد رحيم وسيف بكفي كالشهاب أهزه * أجذ به من عاتق وصميم فما زلت حتى فض ربي جموعهم * وحتى شفينا نفس كل حليم من هذا يتضح أن عليا قد دافع هو وزملاؤه دفاعا شديدا في هذه الغزوة وقتل رؤساء كبيرة عرفت بعدائها للإسلام ، وقد كان وقتئذ في عنفوان شبابه ممتلئا قوة ونشاطا وإيمانا . وفي غزوة الخندق لما تهيأ فرسان قريش للقتال وخرجوا على خيلهم وأقبلوا نحو الخندق ورأوا ما لم يكونوا قد رأوه من قبل ، قالوا : إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع . عند دلك خرج علي رضي الله عنه في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم . وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا . فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه ، وكان من شجعان العرب المشهورين ، وكان وقتئذ كبير السن . فلما وقف هو وخيله ، قال له علي : يا عمرو ! إنك كنت تعاهد الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى خلتين إلا أخذت منه إحداهما . قال : أجل . قال له علي ابن أبي طالب : فإني أدعوك إلى الله عز وجل وإلى رسوله وإلى الإسلام ، قال : لا حاجة لي بدلك . قال : فإني أدعوك إلى النزال . قال : ولم يا ابن أخي ؟ فوالله ما أحب أن أقتلك . قال علي : ولكني والله أحب أن أقتلك ، فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فقره أو ضرب وجهه . ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا ، فقتله علي رضي الله عنه وخرجت خيله منهزمة ، حتى اقتحمت من الخندق هاربة . وفي غزوة بني المصطلق قتل علي منهم رجلين : مالكا ، وابنه . وكان رضي الله عنه هو الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد إليه كتابة صلح الحديبية وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فدك حي من بني سعد بن بكر . وفي غزوة خيبر أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء عمر بن الخطاب ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجبنه أصحابه ويجبنهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأعطين اللواء غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، فلما كان من الغد تطاول لها أبو بكر وعمر فدعا عليا ، وهو أرمد في عينيه وأعطاه اللواء ونهض معه من الناس من نهض ، فلقي أهل خيبر ، فإذا مرحب يرتجز ويقول : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الليوث أقبلت تلهب فاختلف هو وعلي ضربتين فضربه علي على هامته ، حتى عض السيف منها بأضراسه وسمع أهل العسكر صوت ضربته ، فما تتام آخر الناس مع علي رضي الله عنه حتى فتح الله له ولهم . وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته ، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده ، فتناول علي رضي الله عنه بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ . فلقد رأيتني في نفر ، سبعة إناثا منهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه . وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير بن العوام في أثر المرأة التي أعطاها حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش ، وذلك لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة ، فخرجا وأدركاها بالحليفة فاستزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي بن أبي طالب : إني أحلف ما كذب رسول الله ولا كذبنا ولتخرجن إلي هذا الكتاب أو لنكشف ، فلما رأت الجد منه ، قالت : أعرض عني ، فأعرض عنها . فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منه ، فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعلي رضي الله عنه هو الذي قتل الحويرث بن نقيد الذي أهدر دمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان ينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكة ، وكان قد شارك هبار بن الأسود في نخس جمل زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجرت من مكة . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة نهى عن سفك الدماء وكان قد بعث خالد بن الوليد وأمره بأن يسير بأسفل تهامة داعيا ولم يبعثه مقاتلا فوطئ بني جذيمة فأصاب منهم ، وقيل : إنهم لما وضعوا السلام أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم ، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رفع يديه إلى السماء ثم قال : اللهم إني أبرأ بك مما صنع خالد بن الوليد . نذكر هذه الحادثة لأن عليا رضي الله عنه كان له شأن فيها ، فقد دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك . فخرج حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال حتى أنه ليدي ميلفة الكلب أي أنه دفع تعويضا عن كل ما أصابهم حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال . فقال لهم علي رضي الله عنه حين فرغ منهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يود إليكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعيم ولا تعلمون ، ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال : أصبت وأحسنت . وكان علي رضي الله عنه ممن ثبت مع رسول الله في غزوة حنين حين انهزم المسلمون كما ثبت في غزوة أحد ، وفي غزوة تبوك خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم . فأرجف المنافقون بعلي وقالوا : ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه . فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجرف موضع على ثلاثة أميال من المدينة فقال : يا نبي الله زعم المنافقون أنك لما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني . فقال : كذبوا ولكني إنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي . فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره . وفي السنة التاسعة من الهجرة في شهر ربيع الآخر وجه رسول الله عليا رضي الله عنه في سرية إلى الفلس صنم طئ ليهدمه في مئة وخمسين رجلا من الأنصار على مئة بعير وخمسين فرسا ، ومعه راية سوداء ولواء أبيض فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر فهدموا الفلس وخربوه وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاء والفضة . وفي السنة التاسعة من الهجرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يحج بالناس ، فخرج من المدينة في ثلاثمئة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره عليا فأدركه بالعرج ( عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج ) وأذن علي رضي الله عنه ببراءة وقال : لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فله عهده إلى مدته ، وأن هذه أيام أكل وشرب ، وأن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما . وفي سنة عشر الموافق 631 - 632 م وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب سرية إلى اليمن في رمضان . عن البراء بن عازب قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام فكنت فيمن سار معه ، فأقام عليه ستة أشهر لا يجيبونه إلى شئ ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالد ومن معه فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه تركه . قال البراء : فكنت فيمن عقب معه ، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر فصلى بنا علي الفجر فلما فرغ صفنا صفا واحدا ، ثم تقدم بين أيدينا : فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان كلها في يوم واحد . وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ كتابه خر ساجدا ، ثم جلس فقال : السلام على همدان ، ثم تتابع أهل اليمن على الإسلام ، ثم أقبل علي ليلقى رسول الله بمكة واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه ، فعمد ذلك الرجل فكسا رجالا من القوم حللا من البز الذي كان مع علي ابن أبي طالب . فلما دنا جيشه خرج على ليلقاهم فإذا هم عليهم الحلل ، فقال : ويحك ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس ، فقال : ويلك ! انزع من قبل أن تنتهي إلى رسول الله ، فانتزع الحلل من الناس وردها في البز ، وأظهر الجيش شكاية لما صنع بهم ، فقام رسول الله خطيبا فيهم فقال : يا أيها الناس لا تشكوا عليا ، فوالله لأخشى في ذات الله أو في سبيل الله . يعلم مما تقدم أن عليا رضي الله عنه ربي في بيت النبوة وكان أسبق الناس إلى الإسلام ونشأ وقد أشربت روحه بتعاليمه ، وشب على الصلاح ورأى الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان من كتابه لكن لم يبلغنا متى وكيف وممن تعلم القراءة والكتابة ؟ وهو الذي كتب بخطه ما أملاه عليه رسول الله من صلح الحديبية ، وقد خالط الرسول وعاشره وحفظ القرآن وسمع الحديث ورواه وتفقه في الدين . وقد كان رضي الله عنه شجاعا بطبعه ، فهو من سلالة أبطال شجعان . وقضى زهرة شبابه في الدفاع عن رسول الله ونشر لواء الإسلام ، وتثبيت دعائمه غير هياب ولا وجل . وكلما راجعنا غزوات رسول الله وجدنا اسم علي مقرونا بها ، فتارة نجد يحمل اللواء ، وتارة يفرق جموع الأعداء ويلم شمل المجاهدين ، ويبارز أبطال القريش ، أعداء الإسلام فيصرعهم ويفتح الحصون المستعصية ، ويهدم الأصنام ، وهو صاحب الفضل في دخول همدان في الإسلام ، وهي قبيلة كبيرة في اليمن ، حتى خرج رسول الله ساجدا شكرا لله على إسلامها . إصابته رضي الله عنه يوم أحد ست عشرة ضربة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه فزوجه ابنته فاطمة بنت السيدة خديجة رضي الله عنها ، وكان يشفق عليه إذا مرض ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاه مما ألم من الوجع والجروح بسبب كثرة المشي عليهما وشفاه من الرمد . وقال الفاضل المعاصر خالد محمد خالد في كتابه " في رحاب علي عليه السلام " ( ص 71 ط دار المعارف بمصر ودار المعارف بلبنان ) : ذات يوم ، والرسول بالمدينة ، نزل عليه الوحي بآية جديدة من القرآن ، وراح الرسول يتلوها على أصحابه وهم منصتون : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزي الله الشاكرين ) ، وأحدثت الآية في أفئدة الصحابة رد فعل قويا ، وظن بعضهم أنها تنعى إليهم نبيبهم عليه الصلاة والسلام . وصاح علي بن أبي طالب : ولله لا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله ، ولئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت . وطوال عمر علي في حياة الرسول وبعد وفاته ، وهذه الآية لا تبارح ذاكرته وإنها لتلح على وجدانه إلحاحا دائبا وعجيبا . فهو دائما يذكرها فيتلوها ، ويتبع تلاوته لها بكلماته التي سمعناها الآن : والله ، لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، ولئن مات أو قتل ، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت . ولكن لماذا اختار القتال سبيلا للتعبير عن ولائه للدين ، وإصراره على متابعة طريق الرسول ؟ لماذا لم يقل : ولئن مات أو قتل لأواصلن السير على نهجه ، والاهتداء بسنته وهديه ؟ إن طبيعة المقاتل تحتل كل ذرة في كيانه ، فإذا أعطى العهد على مواصلة السير تحت الراية التي يرفعها الرسول بيمينه ، فإنه يصوغ عهده من الكلمات التي تتسق مع طبيعته وتعبر عنها في أمانة وصدق . وأي كلمة تعبر عن طبيعة المقاتل سوى كلمة سأقاتل ؟ صحيح أن الآية نزلت في معركة دائرة ، وقتال مشبوب في غزوة أحد أو بعدها ، والمشركون يومئذ يرجفون بأن الرسول قتل فنزلت الآية تسفه أحلامهم ، وتشد عزم المسلمين ، وتخبرهم بأنه حتى لو مات الرسول أو استشهد ، فإن رايته لن تسقط ، ودينه لن يتقهقر ، وجنده لن يضعوا السلاح . فلئن كانت طبيعة المناسبة ، تجعل الرد على تساؤل الآية : سنقاتل فإن طبيعة المقاتل هي التي جعلت كلمة سأقاتل شعار حياة بأسرها ، وليست شعار مناسبة بذاتها . وهكذا رأينا الإمام طوال حياته المديدة والمجيدة ، لا يفتأ يذكر الآية الكريمة فيتلوها ، ثم يعقب عليها بنشيده ذاك : ولئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت . قلنا : إن عليا يحمل بين جنبيه طبيعة المقاتل وسجاياه . فهل هذه منقبة توضع في ميزان فضائله ، ومزاياه ؟ وبتعبير آخر : هل وجود طبيعة المقاتل في انسان أمر يشرف ذلك الانسان ؟ أما بالنسبة لابن أبي طالب ، فنعم . إن كون طبيعة المقاتل في أعماقه ، لمما يزيده شرفا ، ورفعة ، وكمالا . ذلك أن طبيعة المقاتل فيه قد بلغت من الاستقامة ، ومن العدالة ، ومن الشرف ، المدى الذي أفاءه عليها القرآن ، والرسول والإسلام . فهي عند الإمام لا تمثل عدوانا ولا تشكل بهتانا ولا تنطلق وقودا لأغراض الدنيا ، وأطماع النفس . وهي بهذا ، ولهذا ، تجاوز نفسها إلى أعلى مستويات البطولة . كما أن البطولة عنده وظيفة تحمل أسمى تبعات الرجولة . والرجولة عنده ليست اندفاعا عرمرما تزجيه طاقاته الجبارة إنما هي التزام يكاد يكون مطلقا لمنهج الرسول الذي آمن به ، والدين الذي حمل رايته . وهكذا نرى البطل والمسلم يلتقون في شخصية الإمام علي أصدق لقاء . أجل لم ينفصم البطل ، عن الرجل ، عن المسلم ، في حياة علي أبدا . فإذا رأيناه يبارز خصما مثلا ، فليس البطل المتمكن هو وحده الذي يبارز بل إن رجولة الرجل ، وورع المسلم هما اللذان يرسمان للبطل أسلوب المبارزة وآدابها . انظروا في غزوة أحد يخرج من صفوف المشركين أحد مبارزيهم الأشداء هو أبو سعد بن أبي طلحة ، وينادي عليا ليبارز ويخرج علي إليه ويتلاقان في مبارزة ضاربة حامية ويتمكن منه سيف على بضربة تطرحه أرضا ، وهو يتلوى من الألم . وبينما علي يتهيأ ليجهز عليه بضربة قاضية ينحسر جلباب الرجل فتنكشف عورته ، فيغمض علي عينيه ، ويغض بصره ويثني إليه سيفه ويعود إلى مكانه في الصف . ويسأله المسلمون : لماذا لم تجهز عليه ؟ ويجيبهم : لقد استقبلني بعورته ، فعطفتني الرحم . إن شرف المقاتل خلق لا ينساه علي أمام النصر ، وأمجاد الظفر . ولقد عرف عنه ذلك دائما ، فراح أعداؤه يلمسون هذا الوتر كلما رأوا المنايا تهوى عليهم من سيفه الوثيق . إن الأبطال الأصلاء العظماء ، لا ينشدون النصر مجرد النصر . إنما هم ينشدون النصر عفا ، شريفا ، عادلا فإذا لم يأتهم النصر موشى بهذه الفضائل ، فلا خفقت راياته ، ولا دقت طبوله . وسنرى ونحن نتتبع مشاهد البطولة في حياة الإمام ، كيف كان حرصه الشديد على شرف المقاتل آثر وأبقى من غلبة ومن كل انتظار . ومن المفارقات العجيبة لشخصيته ، أن براعة المقاتل فيه ، كانت تزلزل خصومه خوفا وهلعا في حين شرف المقاتل فيه ، كان يملأ نفوسهم طمأنينة وأمنا . أجل لطالما تحولت نقمته على أعدائه إلى رحمة بهم بسبب إيمانه الحق بأن القتال الشريف ، النبيل ، العادل ، هو وحده سبيل الرجال ، إذا اضطروا لقتال . بعد أن تحقق له النصر في موقعة الجمل ، وقبل أن تبدأ موقعة صفين وكان لا يزال يرجوا أن يفئ معاوية إلى الحق ، على الرغم من كل الشواهد التي كانت تنبئ بإصراره على موقفه وإعداده العريض للحرب والقتال يومئذ علم الإمام أن اثنين من كبار أنصاره يجهران بشتم معاوية ، ولعن أهل الشام هما ، حجر بن عدي وعمر بن الحمق ، فأرسل إليهما آمرا أن يكفا عن هذا الشتم وهذا اللعن ، فقدما عليه وسألاه : يا أمير المؤمنين ! ألسنا على الحق ، وهم على الباطل ؟ أجابهم الإمام : بلى ، ورب الكعبة . قالوا : فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم ؟ قال الإمام : كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين ولكن قولوا : اللهم احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ، ويرعوي عن الغي من لج به . إنه شرف المقاتل أيضا وإنها لبطولة التي تزجيها الرجولة ، والرجولة التي صاغها الإسلام في أحسن تقويم . ولكن ، لماذا عجلنا ، وتخطينا الزمن ، ورحنا ننشد الأمثلة على بطولة الإمام من أخريات أيامه ؟ ألا يحسن بنا أن نستشرف هذه البطولة في بداياتها الرائعة ؟ بلى فنرجع مع الزمن إلى وراء ، حيث الرسول في مكة يتهيأ للهجرة إلى المدينة التي سبقه إليها أصحابه . إن خطة الهجرة كما رسمها الرسول ، كانت تتطلب أن يأخذ مكانه في البيت رجل تشغل حركته داخل الدار أنظار المحاصرين لها من مشركي قريش ، وتخدعهم بعض الوقت عن مخرج الرسول عليه السلام ، حتى يكون وصاحبه أبو بكر قد جاوزا منطقة الخطر ، وخلفا وراءهما من متاهات الصحراء مسافة تتشتت فيها مطاردة قريش إذا هي خرجت في طلبهما . ولكن ما مصير هذا الذي سيخلف الرسول في داره ، ويخرع قريشا كلها عن مخرجه ؟ ما مصيره حين تكتشف قريش الحيلة ، وترى كيدها الذي عبأت فيه كل قواها ، يرتد ، لا هزيمة ماحقة فحسب بل وسخرية . تضحك منها ولدانها ، وخزيا يجثم فوق جبينها ؟ إن مصيره مفروغ منه . إنه القتل ، إذا لم تجد قريش ما هو أشد من القتل تشفيا وفتكا . والحق أنها ستكون نهاية موحشة ، فالرجل الذي سيكتب عليه أن يحمل هذه التضحية ، لن يقتل فحسب بل هو سيقتل في بلد موحش ، قد خلا من كل أصحابه الذين كانوا بالأمس يملأون فجاجه دويا بالقرآن كدوي النحل . في هذا البلد الموحش سيقتل وحيدا دون أن يجد من إخوانه من يشجعه ولو من بعيد بنظرة تثبيت أو يودعه ولو من بعيد أيضا بنظرة عطف ومحبة أو يتسلل في جنح الظلام إلى قبره فيقف عليه مسلما . لا شئ من ذلك سيكون ولا شئ من ذلك سيخفف من وقع النهاية التي ستختارها قريش لمن يمثل دور الرسول عليها حتى يخدعها عنه ، وحتى يرد كيدها العاتي ترابا في تراب . فمن أي طراز ، سيكون هذا الفدائي العظيم ومن أي ناحية ، سيجئ البطل إنه من بيت النبوة يجئ ، إنه سليل بني هاشم وتلميذ محمد ، إنه ربيب الوحي ، وسابق المسلمين ، إنه علي يفاجئ قريشا فليسوء على يديه صباحها كما ساء بخروج النبي ممساها . على أن مهمة علي رضي الله عنه ، لم تكن مقصورة على المبيت مكان الرسول والمكر بقريش حتى يغادر الرسول مكة ، بل كان لها جانب آخر يتطلب نفس القدر من الفدائية والبذل والتضحية ، ذلك هو قيامه برد الأمانات والودائع التي كان الرسول يحتفظ بها لذويها من أهل مكة . لقد تلقى علي من الرسول كل هذه الودائع وتلقى منه أسماء أصحابها وكان عليه أن يذهب إليهم دارا دارا وفردا فردا ويعطي كل انسان أمانته . دون أن ينيل قريشا منه فرصة تحول بينه وبين إنجاز مهمته كلها . ولقد قام البطل والرجل بالمهمة على خير وجه ، وحفظه الله ورعاه وصدق وعد الرسول له حين قال وهو يودعه : لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم . وبعد أيام ثلاثة ، قضاها الفتى الوثيق بمكة ، يرد الأمانات إلى ذويها ، ركب الصحراء مهاجرا إلى الله ورسوله . وحده ، خرج مجتازا نفس الطريق الذي خرجت عليه قوات قريش تطارد الرسول والصديق ، وتطلبهما بكل جهد وثمن . وحده خرج ، علي في رباطة جأش تجل عن النظير وفي إيمان مطلق جعل عزمه يتألق مضاء وتهللا . وبعد أيام وليال ، كان هناك في قباء ينزل مع الرسول في نفس الدار التي أعدت له عليه السلام . دار كلثوم بن هدم ، أخو بني عمرو بن عوف . وبعد أيام ، ينتقل مع الرسول إلى المدينة دار الهجرة وعاصمة العالم الجديد الذي جاء محمد ينشئه ويبنيه على دعائم الإيمان ، والحق ، والعدل ، والرحمة والسلام . وتجئ غزوة بدر . ويواجه الإسلام الوثنية في أول لقاء مسلح ينشب بينهما . ويظهر علي بن أبي طالب ، وعمه حمزة رضي الله عنهما من المقدرة والجلد والبطولة ما يبهر الألباب . ثم تجئ غزوة أحد حيث حشدت قريش كل بأسها وقوتها وخرجت لتثأر لقتلاها في يوم بدر ، وتنضو عن نفسها عار الهزيمة الماحقة التي أصابتها ذلك اليوم المشهود ويملأ علي أرض المعركة ببطولته وبضحاياه ويسقط اللواء من يد مصعب بن عمير . يسقط بعد أن يبدي بطولة خارقة ، ويدعو الرسول عليا ليحمل اللواء . ويحمل اللواء بيد ، ويده الأخرى قابضة على سيفه ذي الفقار هذا السيف الوثيق الذي قال الرسول عنه وعن صاحبه : لا سيف إلا ذو القفار ولا فتى إلا علي . ولا يكاد ابن أبي طالب يحمل اللواء ويشرئب في يده عاليا ، عزيزا ، خفاقا حتى يبصره حامل لواء المشركين ، فيصيح : ألا هل من مبارز ؟ ولا يجيبه من المسلمين أحد فقد كانوا في شغل عنه بالمعركة التي بلغت أقصى عنفوانها ، وشدتها ، وضراوتها . وتتكسر السيوف على السيوف ، والنصال على النصال . ويرسل حامل لواء المشركين نعيقه مرة أخرى فينادي : ألستم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ؟ ألا فليخرج إلى أحدكم . ولم يطق علي صبرا ، فصاح به : أنا قادم يا أبا سعد بن أبي طلحة ، فابرز يا عدو الله إلي . والتقيا بين الصفوف الملتحمة تحت وقع السيوف وتبارزا فاختلفا ضربتين ضرية علي ضربة واحدة ، فسقط على الأرض يعالج مصرعه ومنيته ، وهم علي أن يضربه الثانية ليجهز عليه فتكشفت عورته ، أما علي فاستحيا ، وغض بصره وانصرف عنه ، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل . وبعد انتهاء القتال تقدم النساء المسلمات يداوين الجرحى . ورأى الرسول عليا وسط مجموعة منهن تكاد تعييهن جراحه الكثيرة ، حتى قلن لرسول الله حين رأينه : يا رسول الله ! لا نعالج منه جرحا ، إلا انفتق جرح . فاقترب الرسول من جسده المثخن ، والشجاع ، وراح يسهم في تضميده ويقول : إن رجلا لقى هذا كله في سبيل الله ، لقد أبلى وأعذر . وانتهت معركة أحد بهزيمة المسلمين بعد أن حققوا على أرضها نصرا عظيما . وكتب السير والتاريخ تجمع على أن الهزيمة لم تكن نتيجة لتفوق المشركين في قتالهم أو في بلائهم ، إنما كانت نتيجة خطأ ارتكبه فريق من المؤمنين ، أولئك هم الرماة الذي وكل إليهم الرسول مهمة حماية المؤخرة من فوق قمة الجبل ، وأمرهم ألا يغادروا مواقعهم مهما يكن الأمر حتى يأمرهم هو بمغادرتها ، بيد أنهم ما كادوا يبصرون قريشا تنهزم وتنسحب قواتها من المعركة مخلفة أسلابها وغنائمها ، حتى غادروا مواقعهم ونزلوا إلى أرض القتال يجمعون الغنائم والأسلاب . هنالك ، جمع الجيش المنسحب فلوله ، وعاد حثيثا إلى المسلمين وقد انكشفت مؤخرتهم ، وفاجأهم بهجوم مباغت وعنيد . وهكذا تحول النصر إلى هزيمة . ووعى الدرس كله ، والعبرة جميعا حامل لواء المسلمين آنئذ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . لقد ازداد ساعتئذ علما بما كان علمه من قبل : وهو أن دين الله لا ينبغي أن يكون طريقا إلى دنيا وأن الذين يتقدمون ليحملوا كلمة الله ورايته ، يجب ألا يشغلهم عنها أسلاب ، ولا غنائم ، ولا أطماع ، ولا مناصب فإن هم فعلوا وكلهم الله إلى أنفسهم ، وما أعجز الأنفس حين تفقد رعاية الله وتوفيقه . حذق علي هذا الدرس جيدا كما حذقه يومئذ أكثر الأصحاب . وعاش علي عمره كله لا ينساه ، فغدا عندما تأتيه الخلافة في فتن كقطع الليل المظلم ، ثم عندما تفرض عليه تلك الصدامات المروعة مع معاوية ، ومع الخوارج ، لن ينس درس أحد أبدا . لن يضع دين الله موضع مساومة ، ولا مزايدة . كل مغريا السلطان ، ومباهج الدنيا ، لن تظفر منه بنظرة واحدة ستظل كلتا عينيه على دين الله ، لا تتحولان عنه ، ولا تغمضان دونه لن يشتري سخط الله برضاء الدنيا بمن فيها . ولكنه يتقبل سخط الدنيا كلها ، والناس أجمعين بلحظة واحدة من رضاء الله رب العالمين . والآن نتابع البطل في خيبر : فإمام حصنها المنيع ارتدت أول يوم كتيبة قوية يقودها أبو بكر الصديق . ثم ارتدت في اليوم الثاني كتيبة أخرى ، يقودها عمر بن الخطاب . لم يجزع الرسول ، فما كان هو بالجازع أبدا ، وإنما ألقى على الصفوف الحافلة بأصحابه وبجيشه نظرة متفائلة وقال : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه . يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما تمنيت الإمارة قط إلا ذلك اليوم ، رجاء أن أكون من يحبه الله ورسوله . أصبح الصباح ، وأقبل المسلمون إلى حيث يلتقون برسولهم وكلهم شوق إلى معرفة الرجل الذي سيعطيه الرسول الراية ، والذي سيتم على يديه فتح ذلك الحصن الرهيب . واكتملت أعدادهم ، واستوت صفوفهم واشرأبت الأعناق متمنية راجية . وشق السكون صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أين علي بن أبي طالب ؟ كان علي هناك وسط الزحام لم يخطر بباله بومئذ أن يكون هو الرجل الذي وعد الرسول أصحابه ، وجعله بشرى الفتح القريب . لم يخطر هذا الاختيار بباله لسبب ، هو أنه في ذلك اليوم كان يشكو رمدا في عينيه ، لا يمكنه من العمل الصعب الذي تتطلبه مهمة ذلك اليوم المشهود . ولكنه لبى نداء الرسول من فوره : ها أنذا ، يا رسول الله وأشار الرسول إليه بيمينه ليتقدم منه ، فتقدم البطل ورأى الرسول ما بعينه من وجع واهتياج ، فبلل أنامله المضيئة بريقه الطهور ، ومس بها عين البطل ثم دعا بالراية فأمسكها ورفعها إلى أعلى وهزها ثلاثا ، ثم غرسها في يمين علي ، وقال : خذ هذه الراية ، فامض بها حتى يفتح الله عليك . دقائق ، لعلها لا تجاوز خمسا ولكنها تمثل حياة كاملة لا منتهى لأبعادها ، ولا غاية لأمجادها . حمل البطل الراية ، وتقدم كتيبته يهرول هرولة وأمام باب الحصن نادى : أنا علي بن أبي طالب . أجل فإنه ليعرف تماما ما هذا الاسم في أفئدة أعداء دينه من رهبة ، وما يثيره فيهم من فزع وخذلان . وتلقى علي ضربة قوية لم تصبه بسوء ، لكنها أطارت ترسه من يده . ورأى نفسه يواجه فرقة مسلحة من حرس الحصن ، فصاح : والذي نفسي بيده ، لأذوقن ما ذاق حمزة أو ليفتحن الله لي . رأى سليل بني هاشم نفسه ، ولا درع معه فاندفع نحو باب من أباب الحصن ولا يدري الناس عندها ماذا حدث ؟ كل ما يذكرون أن عليا صاح الله أكبر ثم التفت نحوهم وباب الحصن بين يديه . يقول أبو رافع مولى رسول الله ، وقد كان ضمن كتيبة علي : لقد هممت أنا وسبعة معي أن نحرك هذا الباب من مكانه على الأرض فما استطعنا . وهجمت كتيبة الإسلام تحت قيادة بطلها علي وفي وقت وجيز ، كانت القوة المنتصرة تردد من شرفات الحصن الذي سقط بكل ما فيه ، هتاف القصر . الله أكبر ، خربت خيبر وصدقت نبؤة الرسول التي قالها لابن عمه : خذ هذه الراية ، فامض بها حتى يفتح الله عليك . أجل لقد فتح الله عليه ، ومنحه النصر المرتجى . الآن مع البطل في يوم الخندق حيث هوجمت المدينة بأربعة وعشرين ألف مقاتل تحت قيادة أبي سفيان ، وعيينة بن حصن . وكان الرسول عليه الصلاة والسلام حين حلم بخروجهم وتحركهم صوب المدينة ، قد استجاب لرأي سلمان الفارسي بحفر خندق حولها . وحفر الخندق ، وفوجئ به جيش الشرك . والنطق من معسكر قريش التي أضناها اقتحام الخندق ، نفر من مقاتليها على رأسهم عمرو بن عبد ود وتيمموا لأنفسهم ثغرة في الخندق ينفذون منها ، وفعلا وجدوا مكانا ضيفا تقحمته خيولهم . ووقف هو ومن معه من فرسان قريش ، أمام المسلمين ، وصاح : من يبارز ؟ وفي مثل ومض البرق وجد أمامه البطل . إذ وقف علي أمامه وجها لوجه . وقال : يا عمروا ، إنك كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه . فأجابه عمرو : أجل . قال علي : فإني أدعوك إلى الله ، ورسوله ، وإلى الإسلام قال عمروا : لا حاجة لي إلى ذلك ، قال علي : إذن ، فأنا أدعوك إلى النزال ، قال عمرو : لم يا ابن أخي ، فواللات ما أحب أن أقتلك . قال علي : ولكني والله أحب أن أقتلك . فغضب عمرو ، وأخذته حمية الجاهلية ، واقتحم عن فرسه وعقره ، ثم هجم على علي الذي تلقاه بعنفوان أشد ، وخاضا معا نزالا رهيبا ، لم تطل لحظاته حتى رفع علي سيفه المنتصر ، في حين كان خصمه عمرو بن عبد ود مجندلا على الأرض صريعا . وعاد علي إلى صفوف المسلمين ، تستقبله تحيات شاعرهم : نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب لا تحسبن الله خاذل دينه * ورسوله ، يا معشر الأحزاب وقبل أن نستطرد مع مشاهد بطولته الخارقة ، يحسن بنا أن نتذكر ما قلناه من قبل ، ألا وهو أن بطولة علي كانت تزدان بكل شرف الرجولة . ولم تكن قط في خدمة هوى أو زهو . إنما كانت في خدمة تلك المبادئ العلى التي هداه الله إليها والتي آمن بها علي أوثق الإيمان . من أجل هذا لا نعثر على مشهد واحد من مشاهد بطولته ، يمثل عدوانا ، أو بهتانا . وبطولته على الرغم من شموخها ، واقتدارهما ، كانت بطولة مسالمة عاقلة ، عادلة . ففي هذه البطولة التقت شدة البأس ولين الجانب لقاء موفقا . من أجل هذا نجد الرسول عليه السلام يندبه في مهام الحرب والقتال لتلك التي تتطلب حظا وافرا من ضبط النفس ولين الجانب ، وفي هذا تزكية لبطولته وإطراء . في ذلك اليوم المشهود يوم فتح مكة كان الزعيم الأنصاري سعد بن عبادة يحمل الراية على كتيبة كبيرة من المسلمين . ولك تكد تتراءى له مشاهد مكة ، حتى استجاشته ذكريات عداء قريش للرسول ولصحبه ، فصاح قائلا وسط نشوة الظفر التي تستخف الأحلام : اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة . قالوا : وسمعه بعض الصحابة فروعهم هذا النداء . وسارع عمر بن الخطاب إلى النبي عليه السلام ونقل إليه كلمات سعد ، وقال معقبا عليها : يا رسول الله ، ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة . وعلى الفور ، نادى الرسول عليا وقال له : أدرك سعدا ، وخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها . علي الذي شهد كل الأذى الذي صبته قريش على ابن عمه ورسوله ، علي الذي يحمل طاقة زاخرة فوارة تحرك الجبال ، علي ، وهذا يومه ، حيث يتوقع منه بأس المقاتل ، وزهو المنتصر يختاره أعرف الناس به لمهمة قهر الزهو ، ونسيان الثار مهمة دخول مكة المفتوحة ، في تواضع وإخبات ، وسلام . ومشهد آخر ، يعرفنا بجمال هذه البطولة ، وانسانيتها ، وما كانت تتمتع به من أناة ، ومعدلة . فبعد فتح مكة ، أرسل الرسول إلى من حولها من القبائل سرايا تدعوها إلى الله في غير قتل لها ، أو حرب معها . وكان خالد بن الوليد على رأس إحدى هذه السرايا . أمره الرسول أن يسير بأسفل تهامة داعيا ، لا مقاتلا . وعند قبيلة بني خزيمة بن عامر ، تصرف أحد رجالها تصرفا تسرع تجاهه خالد فأعمل فيهم السيف . ونمى الخبر إلى رسول الله ، فغضب وحزن وبرئ إلى الله مما صنع خالد بن الوليد ، ثم رأى عليه السلام أن يبادر بإرسال رسول سلام ، وكان ابن أبي طالب هو الرسول المختار . دعاه رسول الله إليه ، وقال له : يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك . وأعطاه الرسول من المال ما يكفي لديه القتلى ، وتعويض أهلهم عن كل خسارة حاقت بهم ، وقام علي بالمهمة خير قيام . وهكذا ، حيث تضرى البطولات ، وتستعلى الأناة والحكمة يكون علي هو الرجل وهو البطل الذي يختاره الرسول ليقيم الميزان بالقسط ، ويمزج القصاص بالعدل ، والقوة بالرحمة ، ويضع الشجاعة تحت إمرة السداد والأناة والحكمة . وإذا كان الفضل ما يشهد به الأعداء ، فلنستمع في هذا المقام لشهادة أبي سفيان أيام شركه ووثنيته . فعندما نقضت قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخار النبي ربه في الخروج إلى مكة لفتحها ، نمى الخبر إلى قريش فسقط في يدها ، وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة ، ليعتذر إلى الرسول ، وليسأله الموافقة على المعاهدة التي كانت بينهما ، والتي أبرمت يوم الحديبية . ونزل أبو سفيان المدينة وقابل زعماء المسلمين راجيا أن يزكوا مهمته عند الرسول فكلهم رفض . بل إن ابنته أم حبيبة وكانت إحدى زوجات النبي أبت أن تجلسه على فراش رسول الله ، وكان مبسوطا في فناء حجرتها ساعة دخوله عليها فطوته عنه ، ولما عاتبها في صنيعها هذا أجابته قائلة : إنك مشرك وفراش رسول الله لا يطؤه مشركون . ولما عاد إلى مكة خائب المسعى ، جلس يحدث قريشا عن محاولته ، فقال فيما قال : وجئت ابن أبي قحافة يعني أبا بكر فلم أجد منه عونا وجئت ابن الخطاب ، فوجدته أعدى العدو لقد قال لي : أأنا أشفع لكم عند رسول الله ؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، وجئت عليا فوجدته ألين القوم . أجل في هذه المناسبة بالذات ، حيث لا يتوقع من علي كرم الله وجهه سوى بأس المقاتل ، وتشفى صاحب الثار ، نجد لين الجانب ورحمة الغلب يسمان موقفه وتصرفه . وبشهادة من ؟ بشهادة خصمه أبي سفيان زعيم قريش يومئذ وقائد جيوشها ، وحامل لواء وثنيتها . ذلكم هو نوع البطولة التي أفاءتها مقادير علي عليه . بطولة ، يقودها العقل لا العاطفة . بطولة ، تحكمها أخلاقياتها النبيلة السامية ، فلا تستعلي على الرحمة ولا تزيغ عن الحق ولا تتنكب طريق الأناة والحكمة . وبهذه البطولة وقف علي تحت راية الرسول في حياته وبعد مماته ، بهذه البطولة الشهمة العادلة ، قاتل المشركين ، فما تخلف عن غزاة ولا عن مشهد أبدا . إلا غزاة واحدة أمره الرسول بعدم الخروج إليها ليكون خليفته في المدينة على أهله . ولما تململت روح البطل إزاء هذا التخلف أرضاه الرسول بقوله على ملاء من أصحابه : أما يرضيك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . وبهذه البطولة الشهمة العادلة ، سيخوض قتاله مع معاوية ومع الخوارج . وسيواجه الفتن الحالكة التي تدع الحليم حيران ، بأخلاقه الطاهرة ، قبل أن يواجهها بمقدرته القاهرة . لن يجد بأسا أي بأس في أن يخسر ألف معركة ، ولكنه لن بسمع للظروف مهما تبلغ ضراوتها وشدتها أن تسلبه فضيلة واحدة من فضائل نفسه وفضائل دينه . والحق أن معارك الحروب الأهلية التي اضطر الإمام لخوضها كانت أعظم مجالي عظمته ، ورجولته ، ونبله . فإلى هناك لنرى بعض مشاهدها . إن منصة الأستاذية قد رفعت فوق المشقة والهول ، وقد علاها البطل والمعلم ليرى الدنيا على الطبيعة كيف تعمل البطولات العظيمة في نبل ، واستقامة ، وشرف .